لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِحَفْصَةَ، لَا تَسْأَلِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَك. وَسَبَبُ غَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ شُرْبِ الْعَسَلِ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ: مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ؟ وَقَوْلُهُ: {عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5] .
وَذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي شُرْبِ الْعَسَلِ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ؛ فَهَذَانِ قَوْلَانِ وَقَعَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَصًّا.
وَفِيهِ الْإِشَارَةُ لِمَا فِيهَا بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ عَدَمِ قُدْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّفَقَةِ، حَتَّى تَجَمَّعْنَ حَوْلَهُ بِمَا ظَهَرَ لِعُمَرَ مِنْ ضِيقِ حَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا سِيَّمَا لَمَا اطَّلَعَ فِي مَشْرُبَتِهِ مِنْ عَدَمِ الْمِهَادِ، وَقِلَّةِ الْوِسَادِ. وَفِيهِ إبْطَالُ مَا ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ مِنْ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَسْأَلْهُ شَيْئًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:"هُنَّ حَوْلِي، كَمَا تَرَى"، وَقِيَامِ أَبِي بَكْرٍ لِعَائِشَةَ يَجَأُ فِي عُنُقِهَا، وَلَوْلَا سُؤَالُهَا مَا أَدَّبَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تعالى: {قُلْ} .
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي سَرَدْنَاهُ آنِفًا، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ أَمَّا أَنَّ قَوْلَهُ: {قُلْ} يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالْإِبَاحَةَ، فَإِنْ كَانَ الْمُوجِبُ لِنُزُولِ الْآيَةِ تَخْيِيرَ اللَّهِ لَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ، فَأَمَرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَزْوَاجِهِ لِيَكُنَّ مَعَهُ فِي مَنْزِلَتِهِ، وَلِيَتَخَلَّقْنَ بِأَخْلَاقِهِ الشَّرِيفَةِ، وَلِيَصُنَّ خَلَوَاتِهِ الْكَرِيمَةَ مِنْ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَإِنْ كَانَ لِسُؤَالِهِنَّ الْإِنْفَاقَ1 فَهُوَ لَفْظُ إبَاحَةٍ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنْ ضَاقَ صَدْرُك بِسُؤَالِهِنَّ لَك مَا لَا تُطِيقُ فَإِنْ شِئْت فَخَيِّرْهُنَّ، وَإِنْ شِئْت فَاصْبِرْ مَعَهُنَّ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إطْنَابٍ.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: {لِأَزْوَاجِكَ} .
اختلف العلماء في المراد بالأزواج المذكورات؛ فقال الحسن وقتادة: كان تحته يومئذ تسع نسوة سوى الخيبرية؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس. وكانت تحته صفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
1في م: الاتفاق.