كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَكَذَلِكَ يُؤْذِي أَزْوَاجَهُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْبَيْتُ بَيْتَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْحَقُّ حَقَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَضَافَهُ إلَيْهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بُيُوتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ كُنَّ يَسْكُنَّ فِيهَا، هَلْ هُنَّ مِلْكٌ لَهُنَّ أَمْ لَا؟
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَتْ مِلْكًا لَهُنَّ بِدَلِيلِ أَنَّهُنَّ سَكَنَّ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَى وَفَاتِهِنَّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهَبَ لَهُنَّ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُنَّ هِبَةً، وَإِنَّمَا كَانَ إسْكَانًا، كَمَا يُسْكِنُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ، وَتَمَادَى سُكْنَاهُنَّ بِهَا إلَى الْمَوْتِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا لِأَنَّ عِدَّتَهُنَّ لَمْ تَنْقَضِ إلَّا بِمَوْتِهِنَّ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَثْنَى ذَلِكَ لَهُنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ، كَمَا اسْتَثْنَى نَفَقَاتِهِنَّ بِقَوْلِهِ:
"مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ عِيَالِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ". فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةً بَعْدَ نَفَقَةِ الْعِيَالِ؛ وَالسُّكْنَى مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَاتِ، فَإِذَا مُتْنَ رَجَعَتْ مَسَاكِنُهُنَّ إلَى أَصْلِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَرُجُوعِ نَفَقَاتِهِنَّ.
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ لِذَلِكَ أَنَّ وَرَثَتَهُنَّ لَمْ يَرِثُوا عَنْهُنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسَاكِنُ مِلْكًا لَهُنَّ لَوَرِثَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُنَّ عَنْهُنَّ، فَلَمَّا رُدَّتْ مَنَازِلُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تَعُمُّ مَنْفَعَتُهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سُكْنَاهُنَّ إنَّمَا كَانَتْ مَتَاعًا لَهُنَّ إلَى الْمَمَاتِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى أَصْلِهَا فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ} [الأحزاب: 53] :
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْإِذْنِ وَأَحْكَامِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ1.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: {إلَى طَعَامٍ} :
يَعْنِي بِهِ هَاهُنَا طَعَامَ الْوَلِيمَةِ، وَالْأَطْعِمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَشْرَةٌ2:
الْمَأْدُبَةُ3: وَهِيَ طَعَامُ الدَّعْوَةِ كَيْفَمَا وَقَعَتْ.
1 صفحة [312] .
2"المخصص": [4/120، 121] .
3 بفتح الدال وضمها.