عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ:"مَا [مِنْكُمْ] 1 مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ2 إلَّا كُتِبَ مَدْخَلُهَا"3. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا؟ فَقَالَ:"بَلْ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاءِ". ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } إلَى قَوْلِهِ: {لِلْعُسْرَى} 4"."
وَسَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا: الْعَمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ؟ فَقَالَ:"بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ". فَقَالَا: فَفِيمَ الْعَمَلُ إذَنْ 5؟ قَالَ:"اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ". قَالَا: فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ.
المسألة السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {بَخِلَ} :
قَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْبُخْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ مَنْعُ الْوَاجِبِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ6 عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ.."الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ.
المسألة الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ: {وَاسْتَغْنَى} :
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ، وَهُوَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، وَهُمْ فُقَرَاءُ إلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اسْتَغْنَى بِالدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ، فَرَكَنَ إلَى7 الْمَحْسُوسِ، وَآمَنَ بِهِ، وَضَلَّ عَنِ المَعْقُولِ، وَكَذَّبَ بِهِ، وَرَأَى أَنَّ رَاحَةَ النَّقْدِ8 خَيْرٌ مِنْ رَاحَةِ النَّسِيئَةِ، وَضَلَّ عَنْ وَجْهِ النَّجَاةِ، وَرِبْحِ التِّجَارَةِ الَّتِي اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى طَلَبِهَا بِإِسْلَامِ دِرْهَمٍ إلَى غَنِيٍّ وَفِيٍّ لِيَأْخُذَ عَشْرَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَالْخَلْقُ مِلْكُهُ، أَمَرَ بِالْعَمَلِ وَنَدَبَ إلَى النَّصَبِ، وَوَعَدَ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ؛ فَالْحَرَامُ9 مَعْقُولًا، وَالْوَاجِبُ مَنْقُولًا امْتِثَالَ أَمْرِهِ، وَارْتِقَابَ وَعْدِهِ، وَهَذَا مُنْتَهَى الْحُكْمِ فِي الْآيَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ البَيَانِ مَا يَخْرُجُ عَنِ المَقْصُودِ فَأَرْجَأْته10 إلَى مَكَانِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ.
1 ليس في"القرطبي".
2 منفوسة: مولودة"النهاية".
3 مدخلها: أي من الجنة والنار.
4 قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
5 ساقط من ش.
6 في أ: رجل عليه.
7 في أ: عن.
8 في أ: النفس.
9 في م، ش: فالجزم.
10 في أ: فأوحيناه.