وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّعْبِيُّ: لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ؛ وَالْقُرْآنُ عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ، فَتَخْصِيصُهُ دُونَ دَلِيلٍ لَا يَجُوزُ.
وَهَذَا الْخِلَافُ انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ قَصْدُ الْمُضَارَّةِ بِالزَّوْجَةِ وَإِسْقَاطُ حَقِّهَا مِنْ الْوَطْءِ، فَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ قَصْدًا لِلْإِضْرَارِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ: مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُولِي، وَتَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ إنْ شَاءَتْ، وَيُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ رَفْعِهِ1، لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِيلَاءِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْإِيلَاءَ لَمْ يَرِدْ لَعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ لِمَعْنَاهُ؛ وَهُوَ الْمُضَارَّةُ وَتَرْكُ الْوَطْءِ، حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَقْرَبَهَا لِأَجَلِ الرَّضَاعِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، لِأَنَّهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ لَا إضْرَارَ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إذَا حَلَفَ عَلَى مَنْعِ الْكَلَامِ أَوْ الْإِنْفَاقِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُولٍ؛ لِوُجُودِ الْمَعْنَى السَّابِقِ بَيَانُهُ مِنْ الْمُضَارَّةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَلَّا يَطَأهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ:
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ مُولِيًا. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ بِمُولٍ.
وَهَذَا الْخِلَافُ يَنُبْنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ فَائِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَحِلُّ الْيَمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْ الْكَفَّارَةِ، وَرَأَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَحِلُّهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ:"إنْ شَاءَ اللَّهُ"مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف 23-24] وَمَوْرِدُ2 الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا ثُنْيَا لَهُ، لِأَنَّ الْحَالَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ وَقَصَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَلَّ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا تَنْحَلُّ عَنْهُ3.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ
1 في أ: رفعه.
2 في ل وهو رد.
3 في ل: فإنها تنجل بيمينه عنه.