فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 2471

هَذَا قَوْلٌ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ أَنَّهُمْ يَحْجُبُونَهَا حَجْبَ نُقْصَانٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا لَا يَحْجُبَانِهَا؛ وَغَرَضُهُ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ خِلَافُ التَّثْنِيَةِ لَفْظًا وَصِيغَةً، وَهَذِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّثْنِيَةِ.

وَمَنْ يَعْجَبُ فَعَجَبٌ أَنْ يَخْفَى عَلَى حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ وَدَلِيلِ التَّأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَسْأَلَتَانِ:

إحْدَاهُمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَالْأُخْرَى مَسْأَلَةُ الْعَوْلِ؛ وَعَضَّدَ هَذَا الظَّاهِرَ بِأَنْ قَالَ: إنَّ الْأُمَّ أَخَذَتْ الثُّلُثَ بِالنَّصِّ، فَكَيْف يَسْقُطُ النَّصُّ بِمُحْتَمَلٍ. وَهَذَا الْمَنْحَى مَائِلٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ. وَلِعُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ سَبِيلٌ مَسْلُوكَةٌ نَذْكُرُهَا وَنُبَيِّنُ الْحَقُّ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ؛ بَلْ قَدْ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَحْنُ فَعَلْنَا، وَتُرِيدُ الْقَائِلُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] وَقَالَ: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] ثُمَّ قَالَ: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص: 22 وَقَالَ: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وَقَالَ: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] وَقَالَ: {بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ. وَقَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] يَعْنِي عَائِشَةَ، وَقِيلَ عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ. وَقَالَ: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 150] وَكَانَا اثْنَيْنِ كَمَا نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ. وَقَالَ: {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه: 13] وَهُمَا طَرَفَانِ. وَقَالَ: {إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] وَقَالَ: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وَقَالَ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] وَكَانَ وَاحِدًا.

وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ سَائِغٌ، لَكِنْ إذَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ؟.

الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [ النساء: 176] فَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْبِنْتَيْنِ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَحَمَلُوا الْأَخَوَاتِ عَلَى الْبَنَاتِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَكَانَ هَذَا نَظَرًا دَقِيقًا وَأَصْلًا عَظِيمًا فِي الِاعْتِبَارِ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، وَأَرَادَ الْبَارِي بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا دُخُولَ الْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: إنَّ قَوْمَكَ حَجَبُوهَا يَعْنِي بِذَلِكَ قُرَيْشًا، وَهُمْ أَهْلُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَهُمْ الْمُخَاطَبُونَ، وَالْقَائِمُونَ لِذَلِكَ؛ وَالْعَامِلُونَ بِهِ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَبْقَى لِنَظَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَوَّلَ عَلَى اللُّغَةِ فَغَيْرُهُ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت