فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 2471

وَمَطْلَعُ نَظَرِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْهُ؛ لَكِنَّهُ رَبَطَ الْأَمْرَ بِصِفَةِ الْقَرَابَةِ حِينَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ عَلَى التُّهْمَةِ، كَمَا عُلِّقَتْ رُخَصُ السَّفَرِ بِصُورَةِ السَّفَرِ حِينَ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى تَحْرِيرِ الْمَشَقَّةِ وَوُجُودِهَا.

وَرَاعَى الشَّافِعِيُّ فِي نَظَرِهِ أَنَّ هَذِهِ حَالَةُ إخْبَارٍ عَنْ حَقٍّ وَاجِبٍ يُضَافُ إلَى سَبَبٍ جَائِزٍ فِي حَالَةٍ يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ، وَيَتُوبُ فِيهَا الْعَاصِي، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ، وَجَوَّزَهُ.

فَإِنْ قَالَ: الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَرَضُ.

قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ حُجَّةً شَرْعِيَّةً [ فَإِنَّ الْهِبَةَ صِلَةٌ شَرْعِيَّةٌ ] 1، وَلَكِنْ حَجَرَهَا الْمَرَضُ. كَذَلِكَ تَحْجُرُ التُّهْمَةُ الْإِقْرَارَ2، وَكَمَا رَدَّتْ التُّهْمَةُ الشَّهَادَةَ أَيْضًا.

وَأَمَّا نَظَرُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى صُورَةِ الْقَرَابَةِ فَفِيهِ إلْغَاءُ الْعِلَّةِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا وَقَصْرٌ لَهَا عَلَى مُورِدِهَا. وَيَنْبَغِي أَنَّ تَطَّرِدَ الْعِلَّةُ حَيْثُ وُجِدَتْ مَا لَمْ يَقِفْ دُونَهَا دَلِيلُ تَخْصِيصٍ، فَعَلَى هَذَا إذَا وَجَدْنَا التُّهْمَةَ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ مِنْ صَدِيقٍ مُلَاطِفٍ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ، وَكَمْ مِنْ صَدِيقٍ أَلْصَقُ مِنْ قَرِيبٍ وَأَحْكُمُ عُقْدَةً فِي الْمَوَدَّةِ.

تَكْمِلَةٌ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِضَ السِّهَامِ، وَبَقِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ بَقِيَّةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:"أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْهُ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ"3؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ فِي الْعَصَبَةِ عَلَى الْأَبْعَدِ، كَالْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ، وَابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَيُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأَبِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، هَكَذَا أَبَدًا.

تَخْصِيصٌ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [ النساء: 11] الْفَرَائِضَ إلَى آخِرِهَا بِسِهَامِهَا وَمُسْتَحَقِّيهَا.

ثُمَّ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"4. فَخَرَجَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ تَوَارُثُ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا، وَلَا يَحْجُبُهُ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُ فَإِنَّهُ يَحْجُبُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي

1 ليس في ل.

2 في ل: والإقرار.

3"صحيح مسلم":"1233"

4"صحيح مسلم":"1234".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت