الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْوِيضِ1 فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ هُنَالِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} مُطْلَقًا، فَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ فِي جَوَازِ الصَّدَاقِ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمَوْهُوبَةِ فِي الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"2.
وَلَنَا فِيهِ طُرُقٌ؛ أَقْوَاهَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ اسْتِبَاحَةَ هَذَا الْعُضْوِ وَهُوَ الْبُضْعُ إلَّا بِبَدَلٍ وَجَبَ أَنْ يَتَقَرَّرَ ذَلِكَ الْبَدَلُ؛ بَيَانًا لِخَطَرِهِ وَتَحْقِيقًا لِشَرَفِهِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَحُقُوقُ اللَّهِ مُقَدَّرَةٌ كَالشَّهَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ وَ [ نُصُبِ ] 3 السَّرِقَةِ وَالدِّيَاتِ.
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَتَخَصَّصَ هَذَا الْإِطْلَاقُ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، لَا سِيَّمَا وَمَسَاقُ هَذَا اللَّفْظِ إيجَابُ الْبَدَلِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْإِشَارَةَ بِعُمُومِهِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ خَاتَمِ الْحَدِيدِ فَخَاتَمٌ فِي الْعُرْفِ يَتَزَيَّنُ بِهِ، قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ فَتَأَمَّلْ تَحْقِيقَهُ فِي مَوْضِعِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنِّكَاحِ بِالْأَمْوَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْذُلَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَتَحْقِيقُ الْمَالِ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَطْمَاعُ، وَيُعْتَدُّ لِلِانْتِفَاعِ، هَذَا رَسْمُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ.
وَتَحْقِيقُ بَيَانِهِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّقَبَةِ4 فِي الْإِجَارَةِ مَالٌ، وَأَنَّ مَنْفَعَةَ التَّعْلِيمِ لِلْعِلْمِ كُلِّهِ مَالٌ، وَفِي جَوَازِ كَوْنِهِ صَادِقًا كَلَامٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا عِتْقُ الْأَمَةِ فَلَيْسَ بِمَالٍ,وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ مَالٌ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِمِثْلِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ صَدَاقًا فِي نِكَاحِهِ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَإِنَّهُ أَعْتَقَهَا بِتَزَوُّجِهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، رَوَاهُ أَنَسٌ فِي الصَّحِيحِ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ بِخَصَائِصَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ كَانَ
1 في ل: التعويض.
2"صحيح مسلم":"1041".
3 ليس في ل.
4 في ل: الزينة.