وعهد الله إلى الخلق إعلامه بما ألزمهم وتعاهد القوم: أي أعلن بعضهم لبعض بما التزمه له وارتبط معه إليه وأعلمه به؛ فبهذا دخل أحد اللفظين في الآخر، فإذا عرفت هذا علمت أن الذي قرطس1 على الصواب هو أبو إسحاق2 الزجاج؛ فكل عهد لله سبحانه أعلمنا به ابتداء، والتزمناه نحن له، وتعاقدنا فيه بيننا، فالوفاء به لازم بعموم هذا القول المطلق الوارد منه سبحانه علينا في الأمر بالوفاء به.
وأما من خص حلف3 الجاهلية فلا قوة له إلا أن يريد أنه إذا لزم الوفاء به، وهو من عقد الجاهلية؛ فالوفاء بعقد الإسلام أولى، وقد أمر الله سبحانه بالوفاء به؛ قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33] قال ابن عباس: يعني من النصيحة والرفادة والنصرة، وسقط الميراث خاصة بآية الفرائض وآية الأنفال. وقد قال النبي[صلى الله عليه وسلم:"المؤمنون عند شروطهم"4.
وأما من قال عقد البيع وما ذكر معه، فإنما أشار إلى عقود المعاملات وأسقط غيرها وعقود الله والنذور؛ وهذا تقصير.
وأما قول الكسائي: الفرائض، فهو أخو قول الزجاج، ولكن قول الزجاج أوعب؛ إذ دخل فيه الفرض المبتدأ والفرض الملتزم والندب، ولم يتضمن قول الكسائي ذلك كله.
المسألة الثامنة: إذا ثبت هذا فربط العقد تارة يكون مع الله، وتارة يكون مع الآدمي، وتارة يكون بالقول، وتارة بالفعل؛ فمن قال: لله علي صوم يوم. فقد عقده بقوله مع ربه؛ ومن قام إلى الصلاة فنوى وكبر فقد عقدها لربه بالفعل، فيلزم الأول ابتداء الصوم، ويلزم هذا تمام الصلاة؛ لأن كل واحد منهما قد عقدها مع ربه، والتزم. والعقد بالفعل أقوى منه بالقول. وكما قال سبحانه: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7] . كذلك قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] . وما قال القائل: علي صوم يوم أو صلاة ركعتين إلا ليفعل، فإذا فعل كان أقوى5 من القول؛ فإن القول عقد6 وهذا نقد؛
1 يقال رمى فقرطس: أي أصاب القرطاس. والرمية التي تصيب: مقرطسة"اللسان".
2 في أ: أبو القاسم. والمثبت من ل.
3 في أ: خلف، وهو تحريف.
4 ساقط من ل.
5 في ل: كان أوكد.
6 في ل: وعد.