وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث على الشافعي تمهيدا بليغا، فلينظر هنالك.
فإن قيل: فكيف يلزم الوفاء بعقد الجاهلية حين كانوا يقولون: هدمي هدمك، ودمي دمك، وهم إنما كانوا يتعاقدون على النصرة في الباطل.
قلنا: كذبتم؛ إنما كانوا يتعاقدون على ما كانوا يعتقدون حقا، وفيما كانوا يعتقدونه حقا ما هو حق كنصرة المظلوم، وحمل الكل، وقرى الضيف، والتعاون على نوائب الحق. وفيه أيضا باطل؛ فرفع الإسلام من ذلك الباطل بالبيان، وأوثق عرى الجائز، والحق منه بالأمر بالوفاء بإتيانهم نصيبهم فيه، كما تقدم من النصيحة والرفادة والنصرة، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم:"المؤمنون عند شروطهم". معناه إنما تظهر حقيقة إيمانهم1 عند الوفاء بشروطهم.
وقال صلى الله عليه وسلم:"أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج".
ثم قال:"ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن [كان] 2 اشترط مائة شرط".
فبين أن الشرط الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله تعالى، أي دين الله تعالى، كذلك لا يلزم الوفاء بعقد إلا أن يعقد على ما في كتاب الله. وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاء بعهودهم وشروطهم إلا أن يظهر فيها ما يخالف كتاب الله، فيسقط. ولا يمنع هذا التعلق بعموم القولين؛ ولذلك حث على فعل الخير، فقال: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] . وأمر بالكف عن الشر، فقال:"لا ضرر ولا ضرار".
فهذا حث على فعل كل خير واجتناب كل شر. فأما اجتناب الشر فجميعه واجب. وأما فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجب؛ وكذلك الوفاء بالعقود، ولكن الأصل فيها الوجوب، إلا ما قام الدليل على ندبه؛ وقد جهل بعضهم فقال: لما كانت العقود الباطلة والشروط الباطلة لا نهاية لها والجائز منها محصور فصار مجهولا فلا يجوز الاحتجاج على الوفاء بالعقود ولا بالشروط لأجل ذلك وهي3 عبارة عظيمة، وهي:
1 في ل: إسلامهم.
2 في ل.
3 في ل: وهذه.