أحدهما: أن فيه تخصيص بعض المحللات1، وهو تخصيص للعموم بغير دليل لا سيما عموم متفق عليه.
والثاني: أنه حمل للفظ بهيمة الأنعام على الوحشية دون الإنسية، وذلك تفسير للفظ بالمعنى التابع لمعانيه المختلف منها فيه.
وأما من قال: معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد، ولا يحل لكم الصيد وأنتم حرم. وهذا أشبهها معنى، إلا أن نظام تقديره ليس بجار على قوانين العربية فإنه أضمر فيه ما لا يحتاج إليه، وإنما ينبغي أن يقال [تقديره] 2: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، غير محلين صيدها وأنتم حرم، فيصح3 المعنى، ويقل فضول الكلام، ويجري على قانون النحو. وفيها مسألة بديعة4؛ وهي:
المسألة الثامنة عشرة: وهي تثنية الاستثناء في الجملة الواحدة وهي ترد على قسمين:
أحدهما: أن يتكرر، ويكون الثاني من الأول، كقوله تعالى: { إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الحجر: 59-60] .
الثاني: أن يكون جميعا من الأول، كقوله هاهنا: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون، فقوله: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} استثناء من بهيمة الأنعام على أحد القولين وأظهرهما، وقوله: إلا الصيد استثناء آخر أيضا معه5. وقد مهدنا ذلك في كتاب"ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين".
المسألة التاسعة عشرة: في تمثيل لهذا التقدير من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك ما روي أن أبا قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة وهم محرمون وأنا حل على فرس لي، فكنت أرقى على الجبال، فبينما أنا كذلك إذ رأيت الناس مشرفين6 لشيء، فذهبت لأنظر، فإذا هو حمار وحشي، فقلت لهم: ما هذا؟ فقالوا: لا
1 في ل: المجملات.
2 من ل.
3 في أ: يصح.
4 في أ: بديعة منه.
5 في ل، و"القرطبي": منه.
6 في ل: متشوفين.