ذبائحهم لا يؤكل طعامهم ويستقذرون ويستنجسون في أوانيهم.
روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس. فقال:"أنقوها غسلا واطبخوا فيها". وهو حديث مشهور.
وذكره الترمذي وغيره عن أبي ثعلبة وصححه أنه قال: يا رسول الله؛ إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قدورهم ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن لم تجدوا غيرها فارحضوها1 بالماء". قال: وهو صحيح, خرجه البخاري وغيره.
وغسل آنية المجوس فرض, وغسل آنية أهل الكتاب فضل وندب; فإن أكل ما في آنيتهم يبيح الأكل بعد ذلك فيها. والدليل على صحة ما روى الدارقطني أن عمر توضأ من جرة2 نصرانية , وصححه وأدخله البخاري في التراجم.
وربما ظن بعضهم أن أكل طعامهم رخصة, فإذا احتجت إلى آنيتهم فغسلها عزيمة؛ لأنه ليس بموضع للرخصة.
قلنا: رخصة أكل طعامهم حل تأصل في الشريعة واستقر, فلا يقف على موضعه؛ بل يسترسل على محاله كلها, كسائر الأصول في الشريعة.
الثاني: أن المراد به ذبائحهم, وقد أذن الله سبحانه في طعامهم: قال لي شيخنا الإمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم النابلسي في ذلك كلاما كثيرا, لبابه: أن الله سبحانه قد أذن في طعامهم, وقد علم أنهم يسمون غيره على ذبائحهم, ولكنهم لما تمسكوا بكتاب الله وعلقوا بذيل3 نبي جعلت لهم حرمة على أهل الأنصاب.
وقد قال مالك:"تؤكل ذبائحهم المطلقة إلا ما ذبحوا يوم عيدهم أو4 لأنصابهم".
وقال جماعة العلماء: تؤكل ذبائحهم وإن ذكروا عليها اسم غير المسيح, وهي مسألة حسنة نذكر لكم منها قولا بديعا:
وذلك أن الله سبحانه حرم ما لم يسم الله عليه من الذبائح, وأذن في طعام أهل الكتاب
1 رحض يده وثوبه: غسله. والحديث في"القرطبي": [6/ 78] .
2 في"القرطبي": [6/ 78] في حق النصرانية. والحق والحقة: وعاء من خشب أو عاج.
3 في ل: بدليل.
4 في ل: ولأنصابهم.