المسألة الثانية: في سبب نزولها:
لا خلاف بين العلماء أن الآية مدنية كما تقدم ذكره في سورة النساء, وأنها نزلت في قصة عائشة1, كما أنه لا خلاف أن الوضوء كان مفعولا قبل نزولها غير متلو؛ ولذلك قال علماؤنا: إن الوضوء كان بمكة سنة, معناه كان مفعولا بالسنة, فأما حكمه فلم يكن قط إلا فرضا.
وقد روى ابن إسحاق2 وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرض الله سبحانه عليه الصلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظهر ذلك اليوم ليصلي به فغمز الأرض بعقبه, فأنبعت ماء, وتوضأ معلما له3, وتوضأ هو معه, وصلى, فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا صحيح وإن كان لم يروه أهل الصحيح, ولكنهم تركوه لأنهم لم يحتاجوا إليه, وقد كان الصحابة السيد والعلماء يتغافلون عن الحديث الذي لا يحتاجون إليه, وإن ذهب. ويكرهون أن يبتدئوا بذكره حتى يحتاج إليه بخلاف القرآن حسبما تقدم بيانه.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} :
هذا الخطاب وإن كان مصرحا بالمؤمنين فإن الكافرين داخلون فيه؛ لما ثبت من أنهم يدخلون في فروع الشريعة بالأدلة القاطعة, ولكن الله سبحانه هاهنا خص الخطاب الملزم للإيمان؛ لأن النازلة عرضت له, والقصة دارت عليه.
المسألة الرابعة: قال لنا شيخنا فخر الإسلام بمدينة السلام: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} :
معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن, والإرادة هي النية؛ فدل على أن النية في الطهارة واجبة فيه. وبه قال مالك والشافعي, وأكثر العلماء.
وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنها غير واجبة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي4, وهي من طيوليات"مسائل الخلاف", وقد بيناها فيه.
والأصل المحقق أنها عبادة مقصودة بدليل أنها شطر الإيمان, والعبادات لا يتعبد بها إلا
1 وارجع إلى"القرطبي": [5/ 80] : نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع.
2 في أ: أبو إسحاق.
3 في ل: به.
4 جاء في"أحكام الجصاص" [3/ 336] : يجزئ الوضوء بغير نية.