فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 2471

ثلاثا إلا ما أسبغ.

قال: وقد اختلفت الآثار في التوقيت, يريد اختلافا يبين أن المراد معنى الإسباغ لا صورة الأعداد, وقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم, فغسل وجهه بثلاث غرفات, ويده بغرفتين, لأن الوجه ذو غضون ودحرجة واحديداب, فلا يسترسل الماء عليه في الأغلب من مرة بخلاف الذراع فإنه مسطح فيسهل تعميمه بالماء وإسالته عليها1 أكثر مما يكون ذلك في الوجه.

فإن قيل: فقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة, وقال:"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". وتوضأ مرتين مرتين, وقال:"من توضأ مرتين مرتين آتاه الله أجره مرتين". ثم توضأ ثلاثا ثلاثا, وقال:"هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي, ووضوء أبي إبراهيم". وهذا يدل على أنها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ, يتعلق الأجر بها مضاعفا على حسب مراتبها.

قلنا: هذه الأحاديث لم تصح, وقد ألقيت إليكم وصيتي في كل وقت2 ومجلس ألا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده, فكيف ينبني مثل هذا الأصل على أخبار ليس لها أصل؛ على أن له تأويلا صحيحا, وهو أنه توضأ مرة مرة وقال:"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"فإنه أقل ما يلزم, وهو الإيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها. ثم توضأ بغرفتين وقال: له أجره مرتين في كل تكلف غرفة ثواب . وتوضأ ثلاثا وقال:"هذا وضوئي"؛ معناه الذي فعلته رفقا بأمتي وسنة لهم؛ ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث؛ لأن الغرفة الأولى تسن العضو للماء وتذهب عنه شعث التصرف. والثانية ترحض وضر3 العضو, وتدحض وهجه. والثالثة تنظفه, فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويا جافيا فيعلم الرفق حتى يتعلم, ويشرع له سبيل الطهارة حتى ينهض إليها, ويتقدم.

ولهذا قال من قال:"فمن زاد على الثلاث فقد أساء وظلم4".

المسألة التاسعة والأربعون: لما ذكر الله سبحانه غسل الوجه مطلقا, وتمضمض النبي صلى الله عليه وسلم فبين وجه النظافة فتعين في ذلك ما قدمنا بيانه, ثم لازم النبي صلى الله عليه وسلم السواك فعلا, وندب إليه أمرا, حتى قال في الحديث الصحيح:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء".

1 الذراع: تذكر وتؤنث.

2 في أ: ورقة.

3 ترحض: تغسل، والوضر: وسخ الدسم واللبن"النهاية".

4 في"سنن الترمذي": [1/ 64] : قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت