فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 2471

وقال علماؤنا: هذا بعينه هو دليلنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حد المحارب قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} . وعطف عليه حد السارق, وقال فيه: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39] فلو كان ظلمه1 في الحكم ما غاير الحكم بينهما, ويا معشر الشافعية؛ سبحان الله, أين الدقائق الفقهية والحكم الشرعية التي تستنبطونها في غوامض المسائل, ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه, المجترئ بسلاحه, الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف2 بالخيل والركاب, كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة, كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام.

فأما السارق والزاني, وهم في قبضة المسلمين, وتحت حكم الإمام, فما الذي يسقط عنهم ما وجب عليهم؟ أو كيف يجوز أن يقال على المحارب, وقد فرقت بينهما الحالة والحكمة؟ هذا لا يليق بمثلكم, يا معشر المحققين.

وأما ملك السارق المسروق, فقد قال صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم: هو له يا رسول الله, فقال:"فهلا قبل أن تأتيني ب ه". خرجه الدارقطني وغيره.

المسألة الرابعة والعشرون: قال أبو حنيفة: لا يقطع سارق المصحف3 , وليس له فيه ما ينفع إلا أن منع بيعه وتملكه. فإن فعل ذلك قلنا له: إذا اشترى رجل ورقا وكتب فيه القرآن لا يبطل4 ما ثبت فيه من كلام الله ملكه, كما لم يبطل ملكه لو كتب فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت الملك ترتب عليه وجوب القطع. والله عز وجل أعلم.

المسألة الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} :

اعلموا أن هذه المسائل المتقدمة في هذه الآية لم يتعرض في القرآن لذكرها, ولكن العموم لما كان يتناول كل ذلك ونظراءه ذكرنا أمهات النظائر, لئلا يطول عليكم الاستيفاء, وبينا كيفية التخصيص لهذا العموم, لتعلموا كيفية استنباط الأحكام من كتاب الله تعالى, وهكذا عقدنا في كل آية وسردنا, فافهموه من آيات هذا الكتاب؛ إذ لو ذهبنا إلى ذكر كل ما يتعلق بها من

1 في ل: مثله.

2 الإيجاف: الوجف والوجيف: ضرب من سير الخيل والإبل، وجف يجف وأوجفته"القاموس".

3 في"القرطبي" [6/ 170] : واختلفوا في سارق المصحف، فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور: يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد، وبه قال ابن القاسم. وقال النعمان: لا يقطع من سرق مصحفًا. وقال ابن المنذر يقطع سارق المصحف.

4 في ل: إن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت