الخامس: أن ذكر الواحد بلفظ الجميع عند التثنية أفصح من ذكره بلفظ التثنية مع التثنية؛ فهذا منتهى ما تحصل لي من أقوالهم, وقد تتقارب وتتباعد, وهذا كله بناء على ما أشرنا إليه عنهم في الخامس, من أنهم بنوا الأمر على أن اليمين وحدها هي التي تقطع, وليس كذلك؛ بل تقطع الأيدي والأرجل, فيعود قوله: {أَيْدِيَهُمَا} إلى أربعة, وهي جمع في الآيتين, وهي1 تثنية؛ فيأتي الكلام على فصاحته, ولو قال: فاقطعوا أيديهم لكان وجها؛ لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة, وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى إلا بالفعل المنسوب إليه, ولكنه جمع لحقيقة الجمع فيه.
وبيان ما قلنا من قطع الأيدي والأرجل أن الناس اختلفوا في ذلك كثيرا مآله إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أنه تقطع يمين السارق خاصة, ولا يعود عليه القطع؛ قاله عطاء.
الثاني: أنه تقطع اليسرى ولا يعود عليه القطع في رجل رجل؛ قاله أبو حنيفة2 .
الثالث: تقطع يده اليمنى, فإن عاد قطعت رجله اليسرى, فإن عاد قطعت يده اليسرى, فإن عاد قطعت رجله اليمنى؛ قاله مالك والشافعي.
وأما قول عطاء فليس على غلطه غطاء؛ فإن الصحابة قبله قالوا خلافه. وقد قال الله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} , فجاء بالجمع, فإن تعلق بأقوال النحاة قلنا: ذلك يكون تأويلا مع الضرورة إذا جاء دليل يدل على خلاف الظاهر, فيرجع إليه, فبطل ما قاله.
وأما قول أبي حنيفة فإنه يرده حديث الحارث بن حاطب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال:"اقتلوه". قالوا: يا رسول الله؛ إنما سرق. قال:"اقطعوا يده". قالوا: ثم سرق فقطعت رجله, ثم سرق على عهد أبي بكر فقطعت يده حتى قطعت قوائمه كلها.
رواه النسائي وأبو داود والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطع يده, ثم أتي به الثانية فقطع رجله, ثم أتي به ثالثة فقطع يده, ثم أتي به رابعة فقطع رجله. أما النسائي وأبو داود فروياه عن الحارث بن حاطب.
وأما الدارقطني فرواه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلا.
1 في"القرطبي": وهما.
2"أحكام الجصاص": [4/ 71] .