وَضَعَ عَلَى الْعَيْنِ الْأُخْرَى قُطْنًا، ثُمَّ أُخِذَتْ الْمِرْآةُ بِكَلْبَتَيْنِ فَأُدْنِيَتْ مِنْ عَيْنِهِ حَتَّى سَالَ إنْسَانُ عَيْنِهِ.
فَلَوْ أَذْهَبَ رَجُلٌ بَعْضَ بَصَرِهِ فَإِنَّهُ تُعْصَبُ عَيْنُهُ وَتُكْشَفُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ بِالْبَيْضَةِ وَيَذْهَبُ وَيَذْهَبُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَصَرُ الْمَضْرُوبِ فَيُعَلَّمَ، ثُمَّ تُغَطَّى عَيْنُهُ وَتُكْشَفُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ1 بِالْبَيْضَةِ وَيَذْهَبُ وَيَذْهَبُ، فَحَيْثُ انْتَهَى الْبَصَرُ عَلَّمَ، ثُمَّ يُقَاسُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمَسَّاحَةِ، فَكَيْفَ كَانَ الْفَضْلُ نَسَبًا، وَيَجِبُ2 مِنْ الدِّيَةِ بِحِسَابِ ذَلِكَ مَعَ الْأَدَبِ الْوَجِيعِ وَالسِّجْنِ الطَّوِيلِ؛ إذْ الْقِصَاصُ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَا يَزَالُ هَذَا يُخْتَبَرُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ لِئَلَّا يَتَدَاهَى الْمَضْرُوبُ فَيَنْقُصَ مِنْ بَصَرِهِ، لِيَكْثُرَ حَظُّهُ مِنْ مَالِ الضَّارِبِ؛ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: لَوْ فَقَأَ أَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ:
قِيلَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ شَاءَ فَقَأَ عَيْنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً.
وَمُتَعَلَّقُ عُثْمَانَ [أَنَّهُ] 3 فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ أَخَذَ جَمِيعَ الْبَصَرِ بِبَعْضِهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَاوَاةِ. وَمُتَعَلَّقُ الشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى: {الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} .
وَمُتَعَلَّقُ مَالِكٍ أَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمَّا تَعَارَضَتْ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَالْأَخْذُ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ أَوْلَى فَإِنَّهُ أَسْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إذَا فَقَأَ صَحِيحٌ عَيْنَ أَعْوَرَ:
فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً عِنْدَ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ. وَلَكِنْ عُلَمَاؤُنَا قَالُوا: إنَّ مَنْفَعَةَ الْأَعْوَرِ بِبَصَرِهِ كَمَنْفَعَةِ السَّالِمِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ دِيَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَالُوا: إذَا ضَرَبَ سِنَّهُ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا دِيَتُهَا كَامِلَةً4 ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
1 في ل: الرجل.
2 في ل: ويحتمل.
3 من ل.
4"القرطبي": [6/ 194] .