الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُدْرِكُ الْيَمِينَ الِاسْتِثْنَاءَ [وَلَوْ] 1 بَعْدَ سَنَةٍ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ } [الفرقان: 68] إلَى آخِرِ الْآيَةِ إلَى قَوْلِهِ: {مُهَانًا} فَإِنَّهَا نَزَلَتْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ عَامٍ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {إلَّا مَنْ تَابَ } [ الفرقان: 70] .
وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَلْ يَحِلُّ الْيَمِينَ بَعْدَ عَقْدِهَا أَوْ يَمْنَعُهَا مِنْ الِانْعِقَادِ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِحِلِّ الْيَمِينِ2؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
"إنِّي وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهَ" [فَجَاءَ] 2 فِيهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَفْظًا فَكَذَلِكَ يَكُونُ عَقْدًا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخَارِجٌ عَنْ3 اللُّغَةِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {إلَّا مَنْ تَابَ} فَإِنَّ الْآيَتَيْنِ كَانَتَا مُتَّصِلَتَيْنِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي لَوْحِهِ؛ وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ نُزُولُهَا لِحِكْمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ فِيهَا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا؛ أَمَّا إنَّهُ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا فَرْعٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَاسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ الْأَوَّلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَاسْتَثْنَى فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فِي قَلْبِهِ أَيْضًا مَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْنَاءِ4 الَّذِي يَرْفَعُ الْيَمِينَ لِمُدَّةٍ وَلِسَبَبٍ أَوْ لِمَشِيئَةِ أَحَدٍ، وَلَمْ يُظْهِرْ شَيْئًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ إرْهَابًا عَلَى الْمَحْلُوفِ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينَانِ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الطَّلَاق مَا لَمْ تَحْضُرْهُ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَاهُ، لِئَلَّا يَكُونَ نَدَمًا.
وَقَدْ تَيَقَّنَّا التَّحْرِيمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَلَا يَنْفَعُهُ دَعْوَاهُ الِاسْتِثْنَاءَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ نَافِعًا لَهُ وَحْدَهِ إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا.
نُكْتَةٌ: كَانَ أَبُو الْفَضْلِ الْمَرَاغِيُّ5 يَقْرَأُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ6، فَكَانَتْ الْكُتُبُ تَأْتِي إلَيْهِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيَضَعُهَا فِي صُنْدُوقٍ، وَلَا يَقْرَأُ مِنْهَا وَاحِدًا مَخَافَةَ أَنْ يَطَّلِعَ فِيهَا7 عَلَى مَا يُزْعِجُهُ أَوْ يَقْطَعُ بِهِ عَنْ طَلَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ، وَقَضَى غَرَضًا مِنْ الطَّلَبِ، وَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ شَدَّ رَحْلَهُ، وَأَبْرَزَ كُتُبَهُ، وَأَخْرَجَ تِلْكَ الرَّسَائِلِ وَقَرَأَ مِنْهَا مَا لَوْ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهَا قَرَأَهَا فِي وَقْتِ وُصُولِهَا
1 من ل، وفي القرطبي كما في أ.
2 من ل.
3 و"القرطبي": [6/ 273] .
4 في أ: ما يصح من الاستثناء.
5 نسبة إلى المراغة، وهي بلدة مشهورة من بلاد أذربيجان.
6 مدينة السلام: بغداد.
7 في ل: فيه.