الثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِنُتُوئِهَا1 وَبُرُوزِهَا؛ فَكُلُّ نَاتِئٍ بَارِزٌ كَعْبٌ، مُسْتَدِيرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، يُقَالُ: كَعَبَ ثَدْيُ الْمَرْأَةِ؛ وَهَذِهِ صِفَتُهَا هُنَا، وَقَدْ شَرَحْنَا أَمْرَهَا فِي"إيضَاحِ الصَّحِيحَيْنِ".
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {الْبَيْتَ الْحَرَامَ} :
سَمَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْتًا؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَقْفٍ وَجِدَارٍ، وَهِيَ حَقِيقَةُ الْبَيْتِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا سَاكِنٌ؛ وَلَكِنْ جَعَلَ لَهَا شَرَفَ الْإِضَافَةِ بِقَوْلِهِ: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ} [البقرة: 125] . وَقَالَ: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] . عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {الْحَرَامَ} : سَمَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِ إيَّاهَا.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2-:"إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا أَوْ يَعْضِدَ3 بِهَا شَجَرًا، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا لَهُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". رَوَاهُ الْكُلُّ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:"أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟"فَسَكَتْنَا4 ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:"أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟"قُلْنَا: بَلَى. قَالَ:"أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟"فَسَكَتْنَا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ:"أَلَيْسَ الْبَلْدَةُ؟"يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل: 91] .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ:"أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ؟"قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {حَرَّمَهَا} أَيْ بِعِلْمِهِ وَكِتَابِهِ وَكَلَامِهِ وَإِخْبَارِهِ بِتَحْرِيمِهَا وَخَلْقِهِ لِتَحْرِيمِهَا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ، وَإِلَيْهِ مَنْسُوبٌ.
فَإِنْ قِيلَ: وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ حَرَّمَهَا؟
1 فيل: لثبوتها، وهو تحريف.
2"صحيح مسلم": [987] .
3 يعضد: يقطع.
4 في أ: فسكت.