فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 2471

قُلْنَا: مِنْ سَطْوَةِ الْجَبَابِرَةِ وَمِنْ ظَلَمَةِ الْكُفْرِ فِيهَا بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ1:"لِيُخَرِّبَن الْكَعْبَةَ ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ".

قُلْنَا: هَذَا عِنْدَ انْقِلَابِ الْحَالِ، وَانْقِضَاءِ الزَّمَنِ، وَإِقْبَالِ السَّاعَةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {قِيَامًا لِلنَّاسِ} .

قِيَامُ الشَّيْءِ قَوَامُهُ وَمِلَاكُهُ أَيْ يَقُومُونَ بِهِ قِيَامًا، كَمَا قَالَ: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] ؛ أَيْ يَقُومُونَ بِهَا.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

[الْأَوَّلُ] 2: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قِيَامًا لِلنَّاسِ، أَيْ صَلَاحًا.

الثَّانِي: قِيَامًا لِلنَّاسِ أَيْ أَمْنًا.

الثَّالِثُ: يَعْنِي فِي الْمَنَاسِكِ وَالْمُتَعَبِّدَات؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ.

وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَدْخُلُ فِيهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ مِنْ الصَّلَاحِ، وَيَدْخُلُ التَّمَكُّنُ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ لِكُلٍّ مَصْلَحَةً.

وَفَائِدَةُ ذَلِكَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي الْجِبِلَّةِ3 أَخْيَافًا4 يَتَقَاطَعُونَ تَدَابُرًا وَاخْتِلَافًا، وَيَتَنَافَسُونَ فِي لَفِّ الْحُطَامِ إسْرَافًا، لَا يَبْتَغُونَ فِيهِ إنْصَافًا، وَلَا يَأْتَمِرُونَ فِيهِ بِرُشْدٍ اعْتِرَافًا، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَجَعَلَ فِيهِمْ الْمَمْلَكَةَ، وَصَرَفَ أُمُورَهُمْ إلَى تَدْبِيرِ وَاحِدٍ يَزَعُهُمْ5 عَنْ التَّنَازُعِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّأَلُّفِ مِنْ التَّقَاطُعِ، وَيَرْدَعُ الظَّالِمَ عَنْ الْمَظْلُومِ، وَيُقَرِّرُ كُلَّ يَدٍ عَلَى مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقًّا، وَيَسُوسُهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ لُطْفًا وَرِفْقًا، وَأَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ صِدْقَ ذَلِكَ وَصَوَابَهُ، وَأَرَاهُمْ بِالْمُعَايَنَةِ وَالتَّجْرِبَةِ صَلَاحَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَمَآلِهِ، وَلَقَدْ يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ مَا

1"صحيح مسلم": [2232] ، وذو السويفتين: هما تصغير ساق الإنسان صغرهما لرقتهما؛ وهي صفة سوق السودان غالبًا.

2 ساقط من أ.

3 الجبلة: الطبيعة.

4 أخيافًا: مختلفين.

5 يزعهم: يكفهم ويمنعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت