وُجِدَ عِنْدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ إنَاءٌ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ، فَأُخِذَا بِهِ، فَقَالَا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَذَبَا، فَكَلَّفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى بَيِّنَةٍ، فَرَفَعَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } إلَى {الْفَاسِقِينَ} . فَحَلَفَ وَلِيَّانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ: إنَّ مَالَ صَاحِبِنَا كَذَا، وَإِنَّ الَّذِي نَطْلُبُهُ قِبَلَ الدَّارِيَّيْنِ حَقٌّ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارِينَ أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ، وَالْآخَرُ يَمَانٍ، صَحِبَهُمَا مَوْلًى لِقُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ، وَمَعَ الْقُرَشِيِّ مَالٌ مَعْلُومٌ، قَدْ عَلِمَهُ أَهْلُهُ مِنْ بَيْنِ آنِيَةٍ وَوَرِقٍ فَمَرِضَ، فَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ إلَى الدَّارِيَّيْنِ، فَمَاتَ وَقَبَضَهَا الدَّارِيَّانِ، فَدَفَعَاهَا إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَخَانَاهُ بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالُوا: إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ خَرَجَ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُعْفِيِّ.
وَذَكَرَ سُنَيْدٌ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ النَّصْرَانِيِّينَ وَكَانَا يَخْتَلِفَانِ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ؛ فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ مَعَهُمَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ الرُّومِيُّ مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ بِمَتَاعٍ إلَى أَرْضِ الشَّامِ فِيهِ آنِيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَآنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَآنِيَةٌ مُمَوَّهَةٌ بِالذَّهَبِ. فَلَمَّا قَدِمُوا الشَّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا تَمِيمٌ الدَّارِيِّ وَلَا عَدِيٌّ، وَأَدْخَلَهَا فِي مَتَاعِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ، فَقَدِمَ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ وَعَدِيٌّ الْمَدِينَةَ، وَدَفَعَا الْمَتَاعَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى الْمُطَّلِبِ، وَأَخْبَرَاهُمَا بِمَوْتِ بُدَيْلٍ، فَقَالَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ: لَقَدْ مَضَى مِنْ عِنْدِنَا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَهَلْ بَاعَ شَيْئًا؟ قَالَا: لَا. فَمَضَوْا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَحْلَفَ لَهُمَا تَمِيمًا وَعَدِيًّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا تَرَكَ عِنْدَنَا غَيْرَ هَذَا.
ثُمَّ إنَّ عَمْرًا وَالْمُطَّلِبَ ظَهَرَا عَلَى آنِيَةٍ عِنْدَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيٍّ، فَقَالَا: هَذِهِ الْآنِيَةُ لَنَا، وَهِيَ مِمَّا مَضَى بِهِ بُدَيْلٌ مِنْ عِنْدِنَا. فَقَالَ لَهُمْ تَمِيمٌ وَصَاحِبُهُ عَدِيٌّ: اشْتَرَيْنَا هَذِهِ الْآنِيَةَ مِنْهُ. فَقَالَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ: قَدْ سَأَلْنَاكُمَا هَلْ بَاعَ شَيْئًا؟ فَقُلْتُمَا: لَا، وَقَدْ كَانَتْ وَصِيَّةُ بُدَيْلٍ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا. فَحَلَفَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ وَاسْتَحَقَّا الْآنِيَةَ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ نَزَلَتْ فِي تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَخِيهِ عَدِيٍّ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ، وَكَانَ مَتْجَرُهُمَا إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ قَدِمَ ابْنُ أَبِي مَارِيَةَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَدِينَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ تَاجِرًا فَخَرَجَ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَخِيهِ عَدِيٍّ حَتَّى إذَا كَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَرِضَ ابْنُ أَبِي مَارِيَةَ، وَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَدَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ، وَأَوْصَى إلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ، وَأَخَذَا مِنْهُ مَا أَرَادَا، وَأَوْصَلَا بَقِيَّةَ التَّرِكَةِ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، فَفَتَحُوا فَوَجَدُوا وَصِيَّتَهُ، وَقَدْ كُتِبَ فِيهَا مَا خَرَجَ بِهِ، فَفَقَدُوا أَشْيَاءَ، فَسَأَلُوا تَمِيمًا وَعَدِيًّا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا نَدْرِي، هَذَا الَّذِي قَبَضْنَا لَهُ، فَرَفَعُوهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ