اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبَاحُ لَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ ذَلِكَ عَوْنًا، وَالْعَاصِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُعَانَ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَكْلَ فَلْيَتُبْ وَيَأْكُلْ، وَعَجَبًا مِمَّنْ يُبِيحُ ذَلِكَ لَهُ مَعَ التَّمَادِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ؛ فَإِنْ قَالَهُ أَحَدٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَدَمًا وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ وَخَمْرًا وَصَيْدًا حَرَمِيًّا أَوْ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَهَذِهِ صُورَتَانِ:
الْأُولَى: الْحَلَالُ يَجِدُهَا، وَالثَّانِي الْحَرَامُ؛ فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَخَمْرًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ حَلَالًا بِيَقِينٍ، وَالْخَمْرُ مُحْتَمِلَةٌ لِلنَّظَرِ؛ وَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَبَعِيرًا ضَالًّا أَكَلَ الْمَيْتَةَ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ. فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَكَنْزًا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ أَكَلَ الْكَنْزَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ تَحْتَ حِرْزٍ أَكَلَ الْمَيْتَةَ؛ وَلَوْ وَجَدَ مَيْتَةً وَخِنْزِيرًا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، فَإِنْ وَجَدَ لَحْمَ بَنِي آدَمَ وَالْمَيْتَةَ أَكَلَ الْمَيْتَةَ؛ فَإِنَّهَا حَلَالٌ فِي حَالٍ، وَالْخِنْزِيرُ وَابْنُ آدَمَ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ، وَلَا يَأْكُلُ ابْنَ آدَمَ وَلَوْ مَاتَ قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَأْكُلُ لَحْمَ ابْنِ آدَمَ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، وَمَيْتَةً؛ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّيْدَ.
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ قَدَّمَ الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ حَيَّةً وَالْخِنْزِيرُ لَا يَحِلُّ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُخَفَّفُ أَوْلَى أَنْ يُقْتَحَمَ مِنْ التَّحْرِيمِ الْمُثْقَلِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهُ أَوْ أَجْنَبِيَّةً وَطِئَ الْأَجْنَبِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ، وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَخَمْرًا فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَمَالَ الْغَيْرِ، فَإِنْ أَمِنَ الضَّرَرَ فِي بَدَنِهِ أَكَلَ مَالَ الْغَيْرِ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَأَمِنَهُ إذَا كَانَ مَالُ الْغَيْرِ فِي الثِّمَارِ أَكْثَرَ مِنْ أَمْنِهِ إذَا كَانَ فِي الْجَرِينِ1؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْمَيْتَةِ وَالْآدَمِيِّ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَلَّا يَأْكُلَ الْآدَمِيَّ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِ وَيُحْيِيهِ. وَإِذَا وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَمَيْتَةً أَكَلَ الصَّيْدَ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ مُؤَقَّتٌ، فَهُوَ أَخَفُّ وَتُقْبَلُ الْفِدْيَةُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، وَلَا فِدْيَةَ لِآكِلِ الْمَيْتَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إذَا احْتَاجَ إلَى التَّدَاوِي2 بِالْمَيْتَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَحْتَاجَ إلَى
1 الجرين: الجرن
2 هنا في هامش م مسألة التداوي بالميتة