النقطة الثاني أن الله قرن في قوله (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ؛ قرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر وهذه إشارة واضحة أن الإيمان المقصود في الآية هو أصل الإيمان وليس كمال الإيمان، فالذي لا يؤمن باليوم الآخر فلا يقال عنه إيمانه ناقص بل لا إيمان له، فحتى المرجئة والجهمية يكفرون الذي لا يؤمن باليوم الآخر.
وفي هذا دلالة واضحة إلى أن عدم الرد إليه وإلى رسله عليهم السلام؛ يؤدي إلى نفي أصل الإيمان ونفي صحته، فإذا إنتفى أصل الإيمان وانتفت صحته كان صاحبه من المستحقين للخلود في نار جهنم. فالمقدار الذي يتحقق به النجاة من الخلود في نار جهنم هو أصل الإيمان.
يقول الشيخ السعدي في تفسيره لهذه الآية:"ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله ... فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها (ذَلِكَ) أي: الرد إلى الله ورسوله (خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلا) فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم."اهـ. [1]
يقول إبن كثير في تفسيره بعد أن ذكر هذه الآية:"فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر" [2] . اهـ.
وفي قول الشيخ ولا باليوم الآخر إشارة إلى أنه يتكلم عن الكفر الأكبر، لأن الكفر الأصغر لا ينتفي فيه الإيمان باليوم الآخر، فلازم قول الذي يقولون أن الإيمان المنفي في الآية هو كمال الإيمان أن يحكموا بإيمان من يكفر باليوم الآخر.
(1) تفسير السعدي 1\ 183.
(2) تفسير إبن كثير ط دار الكتب العلمية 3\ 304.