فالأمر كما قال الشيخ الشنقيطي أمر بين ولا يخفى إلا على من طمس الله على بصيرته فهو منهم [1]
ومن هذه الآيات التي تتحدث عن هذه المسألة قوله تعالى في نفس سياق الآيات التي مرت معنا سابقًا من سورة النساء: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [2] ، وانظر رحمك الله إلى هذه الآية وإلى مبناها اللغوي، تجد أنها حوت بيان حقيقة الحاكمية ومدى علاقة هذا المفهوم بالإيمان، فصلب الإيمان يعني الإقرار علمًا وعملًا بحاكمية الله في أرض الله على خلق الله، وأن عدم الإتيان بهذا المفهوم علمًا وعملًا هو نقض صحيح صريح واضح لأصل الإيمان وحقيقته.
فأكد الله عز وجل الآية أولًا بفاء التصدير ثم ألحق بها (لَا) النافية ثم القسم؛ وهو ليس قسم عادي حيث أقسم الله عز وجل بذاته المقدسة وبخصائص الربوبية، وفي هذا إشارة واضحة إلى مسألة تكلمنا عنها عندما تكلمنا عن منزلة الحاكمية من توحيد الربوبية وهي أن معنى الإيمان بالربوبية هو الإيمان بحاكمية الله على أرض الله علمًا وعملًا، ثم كرر المولى عز وجل النفي مرة ثانية؛ فهذه الآية فيها نفيان؛ نفي أول ثم قسم ثم نفي ثان، حتى تُرفع أي شبهة في العقول أن المراد نفي كمال الإيمان، ولذلك كرّر المولى عز وجل النفي مرتين.
(1) بداية الملف الخامس عشر.
(2) سورة النساء- 65.