فهذه الصورة التشريعية هي أقوى بكثير على الدلالة على الاستحلال من التلفظ دون الفعل، وهناك قاعدة أشار إليها أهل العلم وهي أن الكتاب كالخطاب، فالذي يصدر قانونًا بإباحة الزنا هو تمامًا كالذي يقول بلسانه أنا أستحل، وهذه القاعدة أشار إليها ابن قدامة الفقيه الحنبلي المشهور، في كتابه (المغني) المجلد الحادي عشر صـ 326؛ قال: (إن الكتاب عند الفقهاء كالخطاب لا فرق بينهم) ، وكذلك أشار إليه الشيخ أحمد الزرقا في كتابه (شرح القواعد الفقهية) ، ذكر كذلك أن الكتاب كالخطاب، في صـ 285.
إذًا الذي يصدر قانونًا يبيح فيه التعامل بالربا، بل ويضع لذلك ضوابط وينظم المسألة في غاية التنظيم، ثم ينظم الشرط والأعوان لتطبيق هذا القانون لإخضاع الناس له؛ فقد استحل الربا استحلالًا تمامًا؛ وكذلك الذي ينص في القانون أن المرأة إذا زنت وكان الزنا بالتراضي فلا عقوبة عليها، فهذا نص صريح باستحلال الزنا، وكذلك الذي يصدر قانونًا وتشريعًا عامًا مستقرًا على أن لمحلات كذا وأماكن كذا وبارات كذا الحق في استعمال الخمر بيعًا وشراءً، ويصدر فوق ذلك التراخيص بذلك؛ فهذا استحلال صريح للخمر التي حرمها الله تعالى.
إذًا ليست صور الاستحلال منحصرة في التلفظ فقط، بل الاستحلال بالكتابة؛ وتشريع القوانين أصرح في الدلالة على الاستحلال بمجرد التلفظ بالكلام.