فهرس الكتاب
فكما أن الإيمان إعتقاد وإقرار وعمل فكذلك هو بتعبير آخر تصديق وإنقياد، فالله -سبحانه وتعالى- لم يكتفي من عباده أن يصدقوا رسله بل أمرهم بأمر آخر وهو الإتباع والإنقياد، فأمر الله تعالى عباده أن يصدقوا الرسل ثمّ كما صدقوهم أمرهم أن يتبعوهم فيما جاؤوا به من أحكام من عند الله تعالى، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [1] ، فالآية واضحة تمامًا أن على العباد بالإضافة إلى أن يصدقوا رسلهم أن يؤمنوا بهم.
ولذلك يقول الإمام محمد بن نصر المروزي -وهو إمام من أئمة أهل السنة- في كتابه (تعظيم قدر الصلاة) ، وهذه المقولة نقلها شيخ الإسلام إبن تيمية في كتابه (الإيمان) ، يقول:
"أما قوله:"الإيمان أن تؤمن بالله"فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر مجانبا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة فإذا فعلت ذلك لزمت محابه واجتنبت مساخطه" [2] اهـ.
والحكم بغير ما أنزل الله هو من باب للإستنكاف والإستكبار والمعاندة عن الخضوع لأمر الله، فلا يكتفي في تحقيق الإيمان بمجرد التصديق وإنما لابد من الخضوع لحكم الله وحكم رسوله وتحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله وعدم المعاندة والإستكبار والإستنكاف.
ومن هذا التعريف يتبين لنا أن كفر هؤلاء ليس من باب الإنكار والجحود في المعرفة والتصديق وإنما من باب المعاندة والإباء والإستكبار عن الخضوع لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ومرّ معنا كما نقلنا كلام شيخ الإسلام إبن تيمية أن الكفر لا ينحصر بالتكذيب؛ فقد يكون الكافر مكذبًا وقد يكون غير مكذب، بل كفر أغلب الكفار يكون من باب الإعراض وعدم الخضوع لحكم الله وحكم رسوله عليه الصلاة والسلام.
(1) سورة النساء\ 64.
(2) مجموع الفتاوى 7\ 312.