ثم لم يكتفي المولى -سبحانه وتعالى- بهذا التصريح وإنما جعل هذه الطاعة هي الفيصل والفارق بين المؤمنين وبين الكافرين، فالقضية ليست إدعاء مجرد بما في قلب الإنسان من محبة وخوف ورجاء وإن كانت هذه أصور العبادة، فالعبودية ظاهريّة وباطنيّة، قال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [1] ، فالكافرون هم الذين يتولّون عن طاعته والذين خرجوا من الطاعة. إذًا الطاعة هي الترجمة العملية لمعنى العبودية لله سبحانه وتعالى.
وبيان ذلك أننا نقول أن الله -سبحانه وتعالى- خلق الخلق في الأصل على التوحيد، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه؛ يقول الله تعالى (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) [2] .
أي خلق الله العباد على الملة وعلى الفطرة السليمة قبل أن تداخلهم الأهواء والشبهات، ثم في التاريخ البشري بعد عشرة قرون من هبوط آدم على الأرض بدأ البشر يشاركون هذه الطاعة لله أصناف شتى من الآلهة والأنداد والطواغيت، فالشيطان لا يدع العباد على أصل الفطرة وإنما لابد أن يحرفهم عن الصراط المستقيم، وهو في أثناء محاولته تحريف العباد عن هذه الغاية التي خلقوا من أجلها والتي هي العبودية؛ يلجأ إلى شتى الأساليب التي تختلف في الأساليب والصور، فتختلف في الشكل ولكنها تتفق في الجوهر والمضمون، فالغاية منها أن يحرف العباد عن طاعة الله عز وجل؛ فأحيانًا يزين لهم عبادة الغير في صورة السجود للأصنام والأوثان، فيستجيب له من يستجيب.
(1) سورة آل عمران\ 32.
(2) صحيح مسلم (2865) .