فهرس الكتاب
والمناط الثاني أنهم أخذوا تلك القوانين ثم شرّعوها في بلادهم ونصبوها في بلادهم ونصبوا من أنفسهم مشرِّعين من دونه الله، فكفروا من وجهين؛ الوجه الأول بكونهم متبعين لليهود والنصارى، والوجه الثاني بإعتبارهم متبوعين من غيرهم في تلك البلاد التي حكموها بغير ما أنزل الله، فالأولى أنهم إتبعوا اليهود والنصارى، والثانية شرعوا هذه القوانين في ديارهم، فكفروا من وجهين.
وبهذا يتَّضح لنا أن الحكم بغير ما أنزل الله يتضمن مناقضة واضحة لتوحيد الألوهية من هذا الوجه، حيث يتضمن صرف الطاعة التي هي أبرز مظاهر وخصائص العبودية لغير الله، فالطاعة عبادة بنص القرآن وبنص السنة وبدلالة اللغة وبأقوال أهل السنة والجماعة.
إذًا رأينا كيف أن للعبادة صور وصفات وهيئات وكيفية تختلف عن كيفيتها وهيئتها التي تؤدى بها الشعائر والنسك، فليست صورة العبادة صور محصورة في الدعاء والنذر والصلاة والصوم وغير ذلك من الشعائر المعروفة، فهذه عبادة وصورة قررها الشارع ولكن ليست هي الصورة الوحيدة التي تؤدى بها العبادة.
فرأينا كيف أن هناك صورة وهيئات وكيفيات أخر تؤدى بها العبادة؛ هي على التحقيق الترجمة العملية لحقيقة العبودية لله تعالى، فصفة أداء العبادة في الشعائر والنسك تختلف حسب كل شعيرة وحسب كل نسك جاء به الشرع، وصفة أداء العبادة في سائر المجالات غير الشعائر والنسك هي الإلتزام والإذعان والتسليم والقبول والطاعة لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فكما أن صورة الصوم وصورة الصلاة وصورة الحج؛ كما أن هذه الصور والصفات عبادة فكذلك الطاعة عبادة لله تعالى، بل رأينا أن الشارع جعل الطاعة هي المعيار للدلالة على صدق العبودية من كذبها، بل رأينا أن الشارع جعل الطاعة فيصلًا وفارقًا بين المؤمنين وبين الكافرين، فالطاعة تسمى عبادة لغة وشرعًا.