فهرس الكتاب
ولكن عندما تعم فتنة وبدعة ويراد أن يخضع لها الناس قهرًا وجبرًا؛ لابد أن تستحوذ هذه البدع بيانًا وتفنيدًا وردًا على القدح المعلى من مجهودات علماء المسلمين، كما حصل في فتنة خلق القرآن؛ فيوم أن ظهرت تلك الفتنة أفردها علماء أهل السنة بالبحث والتفنيد والرصد وأصبحت هي شغلهم الشاغل، لأنها هي الفتنة التي يراد أن تخضع لها الأمة، تمامًا مثل ما يحصل اليوم، طواغيت تفرض على الناس؛ فلابد أن نصرف إليها على الأقل بعض مجهوداتنا، وعلى الأقل أن نعاملها معاملة السواء مع تلك الصور الأولى.
إذًا الوجه الأول الذي يتبين لنا به مناقضة الحكم بغير ما أنزل الله لتوحيد الألوهية؛ هو أن الحكم والتحاكم عبادة لله تعالى، تمامًا كالصلاة الزكاة والصوم والحج والدعاء والذبح، فكما أن هذه الصور عبادة لله -سبحانه تعالى- فكذلك الحكم التحاكم عبادة لله سبحانه تعالى، وصرف تلك العبادة لغير الله شرك أكبر مناقض لتوحيد الألوهية، كما أن صرف الدعاء والنذر لغير الله شرك أكبر مناقض لتوحيد الألوهية، والله-عز وجل- لم يفرق بين الشرك في عبادته والشرك في حكمه.
فهذا الوجه يبين لنا بوضوح أن مفهوم العبادة غُيّر وغُيّب على كثير من الناس إلا من رحم ربي، فهو يتعلق بالعبادة من حيث مفهومها أو من حيث أفراد هذه العبادة، ورأينا أن كثير من الأذهان حصرت العبادة بأنواع معينة؛ كالصلاة والزكاة والحج والنذر والذبح والدعاء إلى غيرها من الشعائر التي ينصرف إليها الذهن أول ما ينصرف إذا سمع لفظة العبادة، وقلنا أن هناك عبادة أخر مغيبة عن أذهان المسلمين إلا من رحم ربي، وهي عبادة الحكم بما أنزل الله والتحاكم إلى ما أنزل الله.