فهرس الكتاب
"هذا المدلول القرآني الواضح، هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين، عن الناس جميعًا. سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين، وغيرهم من الجاهلين! إنهم يقصرون مدلول"الدين"، على الاعتقاد والشعائر، ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله، وصدق رسوله، ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره; ويؤدي الشعائر المكتوبة، داخلا في"دين الله"، مهما تكن دينونته، بالطاعة والخضوع، وإقراره بالحاكمية لغير الله، من الأرباب المتفرقة في الأرض. بينما النص القرآني هنا، يحدد مدلول"دين الملك"، بأنه نظام الملك وشريعته؛ وكذلك"دين الله"، فهو نظامه وشريعته. إن مدلول"دين الله"، قد هزل وانكمش، حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية، إلا الاعتقاد والشعائر؛ ولكنه لم يكن كذلك، يوم جاء هذا الدين، منذ آدم ونوح إلى محمد - عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين -؛ لقد كان يعني دائمًا: الدينونة لله وحده، بالتزام ما شرعه، ورفض ما يشرعه غيره، وإفراده - سبحانه - بالألوهية في الأرض، مثل إفراده بالألوهية في السماء; وتقرير ربوبيته وحده للناس: أي حاكميته وشرعه، وسلطانه وأمره. وكان مفرق الطريق دائمًا، بين من هم في دين"الله"، ومن هم في"دين الملك"؛ أن الأولين يدينون، لنظام الله وشرعه وحده، وأن الآخرين يدينون، لنظام الملك وشرعه، أو يشركون، فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع؛ وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تمامًا"اهـ.
وهذا المعنى، قرّره أيضًا المودودي، في الفصل الأول في كتابه، (المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم) ؛ فمن تلك المصطلحات، التي أفردها وأشبعها بحثًا، مصطلح الدين، وكذلك مصطلح العبادة، والإله والرب.