فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 698

القول بأن الظلم والفسق في هذه الآيات هو الظلم الأصغر والفسق الأصغر هادم لسياق الآيات؛ فالآيات كلها ومنذ الآية الأولى توجب أن القضية هي ليس قضية حلال وحرام وإنما هي قضية إيمان أو كفر، وليس بينهما واسطة في هذا المقام، فالذي يحكم شرع الله فقد حاز بالإيمان، والذي يعدل عن شرع الله ويضع من عند نفسه شرع آخر فقد حاز بالكفر.

فالذي يقول أن الظلم هنا هو الظلم الأصغر، وأن الفسق هنا هو الفسق الأصغر، كأنه يتهم كلام الله بالتناقض وعدم البيان؛ فعنده أن هذه الآيات تتحدث عن الكفر الأكبر، ثم ترجع في حكم وتتحدث عن الكفر الأصغر، فهذا تناقض يترفع عنه الإنسان فضلًا عن كلام الله تعالى، فاسم الإشارة (أولئك) يرجع لليهود الذي حرفوا حكم الله من الرجم إلى الجلد والتحميم، فهل يعقل أن يصفهم الله -عز وجل- مرة بالكفر الأكبر، ثم يرجع ويصفهم بالظلم الأصغر، ثم يرجع ويصفهم بالفسق الأصغر، بل الله تعالى وصفهم بالكفر الأكبر، ثم وصفهم بالظلم الأكبر، ثم بالفسق الأكبر، فهو كفر مركب يترى بعضه فوق بعض، وهذا ظاهر لمن أنصف وتدبر.

نصوص لأهل العلم في بيان أن(الكفر)و(الظلم)و(الفسق)في الآيات هي صفات لموصوف واحد وكلها مخرج من الملة:

يقول الطرطوشي في كتابه (سراج الملوك) ، كما ذكره عنه الكتاني في كتابه (نصيحة أهل الإسلام) صـ 124: (كل من لم يحكم بما جاء من عند الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- كملت فيه هذه الأوصاف الثلاثة: الكفر والظلم والفسق) [1] اهـ.

فجعل الشيخ هذه الأوصاف الثلاث تتعلق بموصوف واحد، وهو هؤلاء الذين استبدلوا شرع الله بأحكام البشر، وليس هذا فحسب، بل قال كملت فيه هذه الأوصاف الثلاث؛ فهم الكفار على التحقيق، وكذلك حازوا بالنصيب الأوفر من الظلم، فهم الظالمون على التحقيق، وإن كان هناك ظالمون آخرون إلا أن هؤلاء حازوا الدرجة الكاملة من الظلم.

(1) كتاب سراج الملوك للطرطوشي صـ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت