وكذلك يدل على هذه الطاعة المكفرة قوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [1] ؛ فاتبعه قومه على أساس أنه له حق الطاعة لذاته، وكذلك قوله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [2] ، فهم لم يجعلوا الأنداد لله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما جعلوا له أندادًا في الطاعة والاتباع والانقياد والإذعان.
فالذي يطيع مخلوق ما على أساس أن هذا المخلوق مستحق للطاعة لذاته؛ فقد أشرك بالله شركًا أكبر مخرج من الملة، وقد اتخذ من هذا المخلوق إلهًا وربًا من دون الله تعالى، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [3] .
كذلك صورة أخيرة من صور الطاعات المكفرة: هي أن يطيع غيره في فعل الشرك الأكبر، بمعنى أن يأتيه هذا الغير ويسوغ له الوقوع في أمر مكفر، كأن يزين له موالاة الكافرين فيتبعه فيقع في الشرك والكفر، فيكفر من هذا الوجه؛ أي بسبب ارتكابه شركًا أكبر، وإن كان السبب في ارتكابه هذا الشرك هو الطاعة للغير.
المناط الثاني: هو تحليل الحرام وتحريم الحلال، والسامع قد يبادر إلى ذهنه مباشرةَ أنه لا فرق بين هذا الوجه والوجه الأول، أي لا فرق بين هذا المناط ومناط التشريع، إلّا أنه على التحقيق بينهما فرق؛ فكل من وضع تشريعًا فقد شرّع وكفر من الوجه الأول، إلّا أنه لا يشترط أن يكون قد وقع في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فليس كل تشريع يحرم حلال أو يحرم حلال.
(1) سورة غافر\29.
(2) سورة البقرة\22.
(3) سورة التوب\31.