ونضرب بذلك مثالًا: لو أن إنسان شرع تشريعًا وسنّ قانونًا بأن عقوبة الزنا القتل في جميع أنواع الزنا، لا فرق بين ذلك بين المحصن وغير المحصن، فهذا يعد تشريعٌا لم يأذن به الله، وإن كان هذا المشرع لم يحرم حلالًا ولم يحلل حرامًا، فكفر من كونه قد مارس التشريع الذي تكلمنا عنه وقررنا أنه من أخص خصائص الربوبية.
كذلك لو أن إنسان شرع بأن عقوبة الربا القتل؛ فهذا شرّع ولكنه لم يحرم الحلال أو يحلل الحرام، ومثال ذلك ما ذكره الحافظ ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) في حديثه عن الياسق، فذكر نماذج منه فقال:
(ثم ذكر الجويني نتفا من الياسا من ذلك: أنه من زنا قتل، محصنا كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن تجسس قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن انغمس فيه قتل، ومن أطعم أسيرا أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، ومن وجد هاربا ولم يرده قتل، ومن أطعم أسيرا أو رمى إلى أحد شيئا من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده، ومن أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أولا ولو كان المطعوم أميرا لا أسيرا، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيوانا ذبح مثله بل يشق جوفه ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولا) [1] ا. هـ.
فهذه النماذج التي ذكرها ابن كثير عن الياسق هي من باب التشريع، ولكنها ليست من باب تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكفروا من هذا الباب، إلا أن هناك مناط آخر هو تحليل الحرام وتحريم الحلال.
وبدايةً نقول كل من حرم الحلال أو أحل الحرام فقد شرّع، فالذي يُشرع ويجعل عقوبة الزنا السجن ثلاث سنوات، فهذا وقع في أمرين؛ فكونه يسن هذا التشريع فهذا كفر؛ لأنه كفر من كونه اتخذ من نفسه مشرعًا من دون الله تعالى، ثم كفر من وجه آخر أنه حلّل الحرام المجمع عليه.
(1) البداية والنهاية ط دار الفكر 13\ 118.