وهذا أمر سيتضح لنا اتضاحًا جليًا، فليس هو كفر مخرج من الملة فحسب، بل هو كفر فوق كفر فوق كفر، ظلمات بعضها فوق بعض.
وأول أمر نتحدث فيه في دلالة هذه الآية من ناحية بنائها اللغوية؛ هو أن الكفر الوارد في هذه الآية لم يأتي منكرًا بل ورد معرفًا بـ (أل) ، وعند أهل العلم وعند سلفنا الكريم أنهم يفرقون بين اللفظ المُعرَّف وبين اللفظ المُنكَّر، فهناك فرق كبير في الدلالة وفي المعنى بين أن يرد لفظ (الكفر) على سبيل المثال وهو محل البحث؛ بين أن يرد منكرًا وبين أن يرد معرفًا.
فلفظ الكفر إذا ورد منكرًا فإنه يفيد احتمالين؛ الاحتمال الأول: أن يكون المراد منه الكفر الأكبر المخرج الملة، والاحتمال الثاني: أن يراد به الكفر الأصغر غير المخرج من الملة؛ وتبقى القرينة هي الدليل الشرعي وليس من عقولنا، فهو الذي يوضح لنا هل الكفر المراد هو الأكبر أو الأصغر.
إذًا الكفر إذا جاء منكرًا، فهو إما أن يفيد الكفر الأكبر أو أن يفيد الكفر الأصغر، وهذه القاعدة فقط في السنة ولا تشمل القرآن، ونحن ذكرنا هذه الأمر من قبل، وقلنا أنه بالاستقراء والتتبع وُجد أن لفظ الكفر في كتاب الله بجميع مشتقاته؛ سواء ورد اسمًا أو فعلًا أو مصدرًا، وسواء ورد معرفًا أو منكرًا، فإنه لا يفيد إلا الكفر الأكبر المخرج من الملة، باستثناء موضع واحد في سورة الحديد، الذي ذكرناه من قبل وقلنا أن بعض أهل العلم حملوها أيضًا على الكفر الأكبر.