أما في السنة؛ فالاحتمالان واردان فإذا جاء الكفر منكرًا، فإما أن يراد به الكفر الأكبر أو الأصغر، والكفر الأكبر الوارد منكرًا أمثلته في السنة معروفة؛ أمّا الكفر الأصغر، فمن أمثلته في السنة حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- وهو حديث متفق عليه، يقول عبادة بن الصامت: (بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان) [1] .
فلفظ الكفر في الحديث السابق جاء منكرًا، ورغم ذلك فالمراد به الكفر الأكبر بالإجماع، فلم يقل أحد من أهل العلم أن الكفر المذكور في هذا الحديث هو الكفر الأصغر، ولهذا قرائن؛ أول هذه القرائن أن النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل هذا الكفر هو السبب في نزع اليد من الطاعة، وفي الخروج على هؤلاء الأئمة المرتدين، في حين أن الكفر الأصغر لا يوجب الخروج على الأئمة والحكام؛ الذي يوجب الخروج على الحكام إنما هو الكفر والردة، فهذه أول في الدلالة على أن الكفر المذكور هو الكفر الأكبر.
القرينة الثانية: قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (كفرًا بواحًا) فقوله بواحًا أي ظاهرًا، فهذه قرينة من النص نفسه وضحت أن المراد من هذا الكفر هو الكفر الأكبر، ورغم أنه جاء منكرًا.
وهناك قرينة ثالثة: وهي دلالة الإجماع، وسيأتي معنا في مبحث الخروج عن الحكام، أن هناك إجماع منعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب الخروج على الكافر، وهذا الإجماع مُسْتَنَدُه هذا الحديث.
فالأمر ليس كما يشتهر عند بعض طلبة العلم أن الكفر المنكّر يحمل على الكفر الأصغر على الإطلاق؛ فهذا كلام باطل لم يقل به أحد من أهل العلم المُحقِّقِين؛ فالكفر المُنكَّر يحتمل الوجهين الأكبر والأصغر، وتبقى القرينة هي التي تحدد أيّهما أراد الشارع في هذا النص.
(1) متفق عليه: صحيح البخاري (7056) ، صحيح مسلم (7056) .