وخذوها قاعدة؛ الابتلاء مقياس ومعيار، وهو مقياس لا يخل ولا يجامل أحد، وانظر للناس بهذا المعيار ولا تنظر لهم بتلك المقاييس المنمقة، يقول تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [1] ، وهذا الأمر في عامة الناس فكيف بالعلماء؟ فالمحنة تفرق الناس إلى قسمين صادق وكاذب.
وهاتين الصفتان جاءتا في ذكر أصحاب المعسكر الثاني، فكما ذُكر أصبح المعسكر الأول كذلك ذكر الله تعالى أصحاب المعسكر الثاني؛ وذكرهم بصفتين جليلتين من اختيار الحكيم العليم، وما أحسن هذا الاختيار وما أحسن هذا السياق الذي وردت فيه هاتين الصفتين!
نكمل الحديث عن المحور الثاني، وهو أن لله -عز وجل- في تلك الآيات بيّن أن الحاكمية من الأصول المتفق عليها بين الأديان الثلاث الكبرى، الإسلام واليهودية والنصرانية، ورغم أن النصرانية تبع للشريعة اليهودية وفيها تعديلات بسيطة، ورغم أن أصل الشريعة هي شريعة التوراة؛ إلا أن الله -عز وجل- جعل هذه التعديلات البسيطة الطفيفة منهج حياة، وأوجب على اتباع عيسى -عليه السلام- الحكم بها، وجعل الانحراف عن هذه التعديلات البسيطة بتحكيم أرائهم وأهوائهم كفرًا وظلمًا وفسقًا، رغم أنها تعديلات بسيطة، فما بالكم بالذي ينحرف عن شريعة كاملة ناسخة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؟ فالله -عز وجل- أمر أهل الإنجيل أن يحكموا بهذه الأمور البسيطة، وجعلها هدًى ونور لاتباعهم، فما بالكم بالرسالة الخاتمة وبالشريعة الكاملة؟!
(1) سورة العنكبوت\2 - 3.