ثم بعد أن تحدثت الآيات عن الشريعة اليهودية وعن الشريعة النصرانية، يستمر السياق إلى أن يتحدث تعالى عن الشريعة الإسلامية، فبعد أن يتحدث تعالى عن التوراة وعن الإنجيل، يتحدث تعالى عن القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد؛ فقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ، الشاهد أن الله -عز وجل- في هذا المحور الثاني يؤكد ويقرر مفهوم الحاكمية، وأنه عقيدة مقرة ثابتة في التوراة والإنجيل والقرآن. وبيّن تعالى أن القرآن جاء مصدقًا لما جاء قبله من الكتب، وجاء مهيمنا عليها فهي زيادة وميزة لم يسبق إليها، فكتابنا جاء مهيمنًا على سائر الكتب السابقة وعلى سائر الشرائع السابقة.
يقول ابن كثير في تفسيره: (لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم بيانه؛ شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم) [1] اهـ.
والشاهد أن الله -عز وجل- أكد على أن الحاكمية أمر وقاسم مشترك بين تلك الأديان الثلاث، وعقيدة مقرة ثابتة، بل أمر يُعد من المرتكزات الإيمانية التي لا تختلف من دين لآخر، وهذا الأمر يذكرنا بتلك المقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية، والتي حكى فيها الإجماع على كفر المعرض عن الأمر والنهي، وأن هذا الاتفاق وقع أيضًا بين المسلمين واليهود والنصارى؛ يقول ابن تيمية: (ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى) [2] اهـ. فهو إجماع مركب، إجماع المسلمين واليهود النصارى على كفر من أعرض عن الأمر النهي.
(1) تفسير ابن كثير ط دار الكتب العلمية 3\ 115.
(2) مجموع الفتاوى 8\ 106.