فبالإضافة لتغيير العقوبة والذي يكفي للحكم بكفرهم، فالقوم قد غيروا الحكم أصلًا؛ فأباحوا الربا والخمر والزنا وغيرها من المحرمات القطعية، إذًا اجتمع فيهم مناطات؛ المناط الأول: هو التشريع، والمناط الثاني: هو التحليل لما حرم الله، ونحن ذكرنا من قبل أن الإجماع منعقد على التكفير في كلا الأمرين، واليهود الذين أنزلت فيهم الآيات، وجد فيهم مناط واحد وهو التشريع بتغيير العقوبة؛ وبالتحقيق هم وقعوا في أربعة مناطات؛ التشريع والتحليل واتباع قوانين اليهود والنصارى ومولاة اليهود والنصارى.
هذا الفارق الأول، والفارق الثاني أن الله تعالى قد أكفر هؤلاء القوم، بتغييرهم وتبديلهم لحكم واحد من حدوده؛ فكيف بالله عليكم حُكم مّنْ بدَّل أكثر الأحكام أو مجمل الأحكام؟ ونحن لا نفرق بينهم، فالذي يبدل ولو جزئية واحدة من دين الله، ويشرع شرعًا بخلاف شرع الله فقد كفر، ولكن هؤلاء كفرهم كفر فوق كفر.
الفرق الثالث: أنّ اليهود عندما أحدثوا هذا الحكم وبدلوه لم يضعوا له دوائر وقوانين مكتوبة، وإنما ارتضوه واصطلحوا عليه بينهم نظريًا وشفهيًا، أما اليوم، فتلك القوانين الوضعية تكرم وتصان وتحفظ ويصنع لها المصادر والمراجع، بالإضافة لذلك تنشأ لها المحاكم الوضعية والقاعات والمؤتمرات، ثم أنشؤوا لها الأعوان والشرط والدرك، الذي يتكفلون بتطبيقها وإخضاع الناس لها بالحديد والنار؛ فأعطوا تلك القوانين القوة الإلزامية، والعقوبات التي تجعل الناس يخضعون لها رغبًا ورهبًا، قهرًا منهم للناس وتحكمًا منهم بالعباد والبلاد؛ وهذا الأمر لم يفعله اليهود.
فهذه الأمور الثلاث الفارقة، تزيد كفر حكام اليوم عن كفر اليهود، الذين أنزلت فيهم تلك الآيات.