إذًا يتضح لنا بهذه القاعدة أن قول الصحابي وإجتهاده لا يخصص أبدًا من القرآن، وبهذا يتضح لنا أن هذا الأثر (كفر دون كفر) ليس تفسير للآية، وإنما هو حديث من هؤلاء الصحابة والتابعين عن مسألة أخرى، وعن مسألة أراد بعض الناس أن يستدلوا عليها بتلك الآية؛ فأرادوا أن يحملوا تلك الآية على واقعة ما، فما كان من هؤلاء العلماء من الصحابة والتابعين إلا أن قالوا لهم أن هذه الآية ليست في هذا المناط ولا في هذا الموضوع، والإستدلال بها هنا إستدلال في غير محل، لأن ما تتكلمون عنه هو دون الكفر أما هذه الآية فهي في الكفار والمشركين.
والتحقيق أن تلك المقولة تتعلق بأمر بدأت نُذوره في عصر إبن عباس رضي الله عنهما، وكان أول خلاف ظهر وحدث في المجتمع الإسلامي، وكان إبن عباس -بالإضافة لغيره من الصحابة- ممن تصدوا لتلك الفتنة؛ إلا أن إبن عباس كان فارس الميدان وعلم الأعلام في تلك الفتنة، وكان المقدم من الصحابة للتصدي لتلك الفتنة ولمن أشعلوها، وقد قام إبن عباس في وجه تلك الفتنة بالحجة والبيان أولًا ثم قام ثانيًا لتلك الفتنة بالسيف والقتال، ونقصد بتلك الفتنة فتنة الخوارج، وهي أول خلاف عرفته الأمة.
وعلى التحقيق فإن أول الخوارج كان في عصر النبوة؛ وهو ذلك الرجل الذي قال للمصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (اعدل يا محمد) ، ثم بعدما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا وأصحابا له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق المرماة من الرمية) [1] ، وهذا علم من أعلام النبوة فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بهم قبل خروجهم.
ثم بدأ الخروج الفعلي للخوارج مع الخلاف السياسي في عصر عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فأجّجوا نار الفتنة وكانوا وقودها حتى إنتهم بمقتل عثمان رضي الله عنه.
(1) مسند الإمام أحمد (14820) .