الوجه التاسع أن معنى قولنا أن هذه الآيات خاصة باليهود ولا تشمل المسلمين أنه مهما يعرض المسلمون عن حكم ومهما يشرعوا غيره لا يكفرون، وهذا الكلام في إتهام للنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يأمر الناس بالبر ولا يأمر نفسه، فهذا الكلام يعني أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يقول لليهود: يا أيها اليهود إذا لم تحكموا لما أنزل الله بينكم فأنتم كافرون أما نحن إذا لم نحكم بما أنزل الله وشرعنا معه فنحن مسلمون، وحاشا للنبي -عليه الصلاة والسلام- وهو الصادق المعصوم أن يفعل ذلك وأن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه وأمته، وهو القائل: (إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه) [1] .
والذي يقول هذه المقولة يترتب على كلامه أنه جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- أقل شأنًا من شعيب عليه السلام، فشعيب قال لقومه: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [2] ، فيلزم قائل هذه المقولة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يريد أن يخالف اليهود إلى ما ينهاهم عنه، فيقول لهم لابد أن تحكموا بما أنزل الله وإلا كنتم كافرين ثم يجوز هو لأمته أن تحكم بما أنزل الله، حاشا لله أن يقع النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا، والله تعالى يقول: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [3] .
(1) مصنف إبن أبي شيبة حديث رقم (34332) .
(2) سورة هود\88.
(3) سورة البقرة\44.