ثم قال تعالى بعد ذلك: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) ، وهذه الآية هي كقوله تعالى في مطلع هذه الآيات: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) ، وكقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [1] ، فالإنسان قد يحبط عمله وهو لا يدري، وهذا أشد عقاب من الله تعالى.
ثم ختم الله تعالى هذه الآيات بقوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ؛ فصرّح -سبحانه وتعالى- أن كل حكم غير حكم الله تعالى فهو جاهليّ؛ وانظر أنه في أول الآيات كان الوصف الإيمان ويقابله الكفر، وفي منتصف الآيات كان الوصف هو الهوى ومقابل له الشرع، وفي آخر الآيات كان الوصف الجاهلية وفي مقابلها الإسلام؛ فالقضية إمّا إيمان وإمّا كفر، وإمّا شرع وإمّا هوى، وإمّا جاهلية وإمّا إسلام، فالقضية ليس لها أي احتمال للتبعيض والالتقاء، فالقسمة ثنائية ولا تحتمل غير هذا، والجاهلية وأحكامها ليست من الكفر الأصغر.
يقول سيد -رحمه الله-: (إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص. فالجاهلية -كما يصفها الله ويحددها قرآنه- هي حكم البشر للبشر؛ لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر، وبالعبودية لهم من دون الله ... ) [2] اهـ.
(1) سورة المائدة\41.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب 2\ 904.