ولاحظ أنه في الآية الأولى قال تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) ، فنهى عن اتباع الهوى وترك جملة الحق؛ أما النهي الثاني فكان أشد وأدق وأبلغ، لأنه كان نهيًا عن اتباع الهوى في الانحراف عن بعض الحق؛ (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) ، ففي دين الله ليس هناك فرق بين من ترك كل الدين ومن ترك بعضه، فالذي يشرع ولو جزئية واحدة خلافًا لدين الله فقد كفر وخرج من الملة.
ولهذه الآية مثيلات ذكرنها من قبل؛ منها قوله تعالى في جزئية واحدة من جزئيات الدين: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [1] ، وقوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [2] ، وآية أخرى في سورة النساء: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [3] ، فختم هذه الآية بنفس السياق والصيغة، بل وبنفس الكلمات التي ختمت بها أيات المائدة، فقال: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) .
(1) سورة الأنعام\121.
(2) سورة البقرة\85.
(3) سورة النساء\150 - 151.