وهذا المعنى الذي ذكره سيد قطب - رحمه الله -، يتمثل تمامًا على تلك القوانين الوضعية؛ فتلك القوانين الوضعية دين، بكل ما تشمله هذه الكلمة من معنى، دين أراده من وَضع تلك القوانين، أن يكون بديلًا عن الإسلام؛ ويشمل المعنى كل تلك النظريات، والمبادئ الإنسانية، فيشمل الاشتراكيّة والعلمانيّة والديموقراطيّة، ويشمل سائر تلك الألفاظ، والنظريات والمبادئ المخترعة، التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ فكل تلك الأمور هي أديان، سواء رضي الناس، أو لم يرضوا بهذا المعنى.
والغريب أن، لجميع لتلك الأديان أنبياء وآلهة؛ فلينين إله، وماركس إله، وأنجلس إله؛ وذكرنا لكم، عندما كنا نتحدث عن الحداثيين، ماذا نقل القحطاني [1] عن الحداثيين، فقال أن أحد الأغرار عندنا، وصف صالح المقالح بأنه نبي الحداثيين؛ فهي بالفعل أديان قائمة، لها أنبياء ولها كتب ولها آلهة، وفوق ذلك يضيفون لتلك الأديان أنبياء، فيقولون فلان نبي وفلان نبي، ويضيفون لها آلهة، ويضيفون لها كتب؛ والقوم لا يَكُفُّون عن التصريح، وعن البوح بأنهم يريدون، أن تكون تلك المناهج البشرية دين، من دون دين الله، وأنهم يبتغون أن يدخلوا، الناس كافة في تلك الأديان.
يقول الشيخ أحمد شاكر، في معرض بيانه لتلك الحقيقة، في عمدة التفسير، المجلد الثاني ص 213:"هذه القوانين التي فرضها على المسلمين، أعداء الإسلام السافروا العداوة؛ هي في حقيقتها دين آخر، جعلوه دينًا للمسلمين، بدلًا من دينهم النقي السامي؛ لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها، وتقديسها والعصبية لها. حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام، كثيرًا كلمات (تقديس القانون) (قدسية القضاء) (حرمة المحكمة) ؛ وأمثال ذلك من الكلمات، التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية، وآراء الفقهاء الإسلاميين."
(1) راجع كتاب (الاستهزاء بالدين وأهله) للشيخ محمد بن سعيد القحطاني كما ذكر الشيخ في الفصل الأول.