مسألة أخرى؛ لو أن إنسانًا أصدر قانونًا، يبيح فيه التعامل بالربا أو يبيح فيه الزنا بشروط أو يبيح في الخمر لبعض المناطق، ثم هذا الرجل صرّح بلسانه فقال: أنا أحرم الربا أو الزنا أو الخمر؛ فليس هناك أدنى اعتبار لهذا الكلام الذي يتعارض مع فعله، يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا) [1] ، فبنص الآية كذّب الله دعواهم بالإيمان؛ بسبب تحكيمهم لغير الله -سبحانه وتعالى-، وهذا الآية شرحناها بالتفصيل، ونقلنا كلام أهل العلم في تفسيرها.
وكذلك يقول تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) [2] ، فيقولون بلسانهم نحن مؤمنون، ثم في الواقع العملي: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [3] ؛ إذًا لا اعتبار أبدًا للزعم المجرد والكلام الذي لا حقيقة له، بأن يقول بلسانه أنا أحرم الربا وأحرم الزنا والخمر، ثم في الواقع العملي يشرّع القوانين بإباحة الزنا أو الربا أو الخمر؛ ثم لا يكتفي بهذا، بل يجعل لهذا القانون من القوة والجبروت والإلزامية ما يخضع به الناس، ثم فوق ذلك يجعل له الحماية من الجنود والشرط والأعوان، وكل هذه الأمور استحلالًا واضحًا لتلك المحرمات القطعية.
وقد أشار لهذا المعنى الشيخ محمد بن إبراهيم في مجموع فتاواه المجلد السادس صـ 189، فقال -رحمه الله-: (لو قال من حكم القانون: أنا اعتقد أنه باطل. فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل) [4] ا. هـ.
(1) سورة النساء\60.
(2) سورة النور\47.
(3) سورة النور\47.
(4) مجموعة فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 6 - 189.