فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 698

كذلك من الأدلة قول تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [1] ، فهؤلاء لم يعرفوا فحسب بل إن معرفتهم في درجة اليقين، وقد ذكرنا مرارًأ تفسير ابن عباس للآية، والذي ذكره ابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح، عن إبن عباس قال: (يقينهم في قلوبهم) ؛ فدلت هذه الآية الصريحة على أن جحود هؤلاء ليس محله القلب، وإنما هو العناد والإباء والاستكبار عن اتباع حكم الله وحكم رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

كذلك من هذه الأدلة الواضحة قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [2] ؛ وهؤلاء القوم لم يحرفوا كلام الله، ولم يعتقدوا أن الحلال صار حرامًا، ولكنهم استنصحوا الرجال ونبذوا كلام الله وراء ظهورهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل) ؛ فالمعرفة والتصديق متوفرة فيهم، ولكنهم كفروا من باب الاتباع والطاعة لهؤلاء القوم، بخلاف طاعة الله -سبحانه وتعالى-.

كذلك ليست صورة التحليل والحريم ليست مقتصرة على أن يصرح بلسانه بأن هذا حلال وهذا حرام، فهذه صورة من الصور ولكنها ليست كل الصور، بل على التحقيق هناك صورة أصرح وأوضح من الاستحلال اللفظي، وهي الاستحلال بالفعل ثم بالتشريع؛ فليس هناك أدنى فرق بين من يقول بلسانه بأن الزنا أو الربا حلال، وبين من يصدر قانون يبيح فيه الزنا أو الربا أو الخمر، وليس ذلك فحسب، بل يصدر قانونًا يجعل له صيغة ثابتة مستقرة يخضع لها الناس؛ وليس هذا فقط بل يجعل للقانون من الجزاء والإلزامية ما يكبل به الناس من، وليس هذا فقط بل يعاقب كل من يخرج عن هذا القانون، وليس هذا فقط بل لو أراد إنسان أن يطبق حد الله على أخته أو على أمه أو على ابنته لما استطاع.

(1) سورة النمل\14

(2) سورة التوبة\31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت