وهذه الآيات أنزلت في قوم كانت جريمتهم التي كفرهم الله بها أنهم أرادوا التحاكم للطاغوت، لا أنهم أمروا بالتحاكم ولا أنهم فعلوه ولا أنهم شرّعوا، وبناءًا على هذه الإرادة كفرهم الله تعالى، فالقوم لم يتحاكموا ولم يقيموا محاكم ولم يعملوا محاضرات ولم يعقدوا ندوات ولم يقيموا مجالس تشريعية ولم يجبروا الناس بالقوة على الخضوع لشرعهم، بل كل جريرتهم أن أرادوا التحاكم لغير ما أنزل الله، وبناءًا على هذه الإرادة كفرهم الله وحكم بأن إيمانهم إيمان كاذب لا حقيقة له بل هو دعوى مجردة يكذبها الظاهر.
فما بالك بأقوام لم يقفوا عند الإرادة والتي هي الخطوة الأولى للتحاكم بل أضافوا لها كثير من الخطوات؛ فأرادوا ثم شرّعوا ثم حكّموا ثم أقاموا المحاكم والقاعات وعقدوا الندوات والمؤتمرات وبنوا المجالس التشريعيّة ودعوا الناس إليها، ثم فوق ذلك يجبرون الناس رغبًا ورهبا وبالحديد والنار على الخضوع لهذه الأحكام، فهم كفروا بمناطات كثيرة جدًا عن ذلك المناط الذي كفّر الله به هؤلاء الناس، فهي قائمة كبيرة وصروح جاهلية وألوف من الأنداد والآلهة التي تحاد الله ورسوله في كل صباح وكل مساء، فإذا كان الذي أراد فقط لم يحقق حقيقة الإيمان فما بالك بمن أضاف لهذه الإرادة كل هذه الأمور؟
يقول أبو السعود في تفسيره:"الاقتصار في معرض التعجب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم، دون نفسِه مع وقوعِه أيضًا للتنبيه على أن إرادتَه مِمَّا يُقْضَى منه العجَبَ ولا ينبغي أن يدخُلَ تحت الوقوعِ فما ظنُّك بنفسه" [1] ا. هـ.
وهذه الآية لا تتكلم عن الحاكمين والمشرعين بل تتكلم عن المُتَّبِعين الذي ذهبوا ليتحاكموا إلى الطاغوت؛ فما بالك بالطواغيت أنفسهم؟
فمجرد الإرادة عند المتحاكمين كفر، فما بالك بالفعل عند المتحاكمين؟
وما بالك بالتشريع؟
(1) تفسير أبي السعود 2\ 195.