فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 698

ثم لم يكتفي المولى بذلك بل جاء بمؤكدات أخرى، فجاء بنفي الحرج في قوله (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا) ، وجاءت (حرج) هناك نكرة في سياق النقي فتفيد العموم، فلا بد أن ينتفي من قلب الإنسان عند خضوعه لحكم الله وحكم رسول كل حرج، سواء كان هذا الحرج كبير أو صغير، ثم لا تكتفي الآية بهذا المعنى بل تأتي بمؤكد آخر فيقول تعالى (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، فالآية جاءت بجميع أنواع المؤكدات اللفظية والمعنوية لتأكد أن صلب الإيمان يعني الإتيان بالحاكمية لله تعالى علمًا وعملًا.

وهذه الآية تكلم عنها عدد كبير من أهل العلم، فلو أردنا أن ننقل كل ما قيل فيها لطال بنا المقام، ولكن كلامهم متشابه بل حتى الألفاظ تكاد تكون متشابه، والآية نفسها واضحة لا تحتاج لأي تفسير ولكن لننقل أقوال بعض أهل العلم.

يقول الشوكاني في تفسيره فتح القدير بعد أن ذكر هذه الآية:

"وفي هذا الوعيد الشديد: ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة. فإنه أولا أقسم سبحانه بنفسه، مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية، هي: تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت فضم إلى التحكيم أمرا آخر، هو عدم وجود حرج، أي حرج، في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا، واطمئنان، وانثلاج قلب، وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله: ويسلموا أي: يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال: تسليما فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضي عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه مخالفة."اهـ. [1]

(1) كتاب (فتح القدير) للشوكاني 1\ 559.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت