فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 698

قال ابن كثير مبينًا هذا كله في تفسيره: (نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل ... ، كانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم، والإركاب على حمارين مقلوبين) [1] اهـ.

وليس معنى قول ابن كثير (فحرفوه) أنهم جاؤوا بالتوراة وحذفوا آية الرجم، وكتبوا محلها الجلد والتحميم والتجبية؛ وهذه هي النقطة الثالثة التي سنتكلم فيها عن صفة فعل أهل الكتاب، إذًا قلنا في النقطة الأولى: أن أهل الكتاب أحدثوا واجتمعوا واصطلحوا، وفي النقطة الثانية: ذكرنا الهوى والمصلحة والظلم والقهر.

كان أهل الكتاب -على التحقيق- مقرين بحد الرجم إقرارًا تامًا لا شك فيه، بل كانوا يعتقدون صحته ويقرون به وبأنه مسطور في توراتهم، وكانوا فوق ذلك يعتقدون أفضليته وأنه حكم الله حقًا وصدقًا؛ وقد ظهر معنا في روايات سبب النزول أنهم كانوا يعرفون أحكام الزنا معرفةً تفصيلية، ولم يجحدوها أبدًا بقلوبهم وألسنتهم وإنما جحدوها بأفعالهم؛ أما من ناحية الاعتقاد، فكانوا مقرين ومعترفين أن حكم الله في الزاني المحصن هو الرجم.

وهذا الأمر صرحت به عدة روايات، وأول هذه الروايات ما أخرجه البخاري في صحيحه عن طريق مالك، عن نافع عن ابن عمر أنهم قالوا: عندما قال عبد الله بن سلام أن فيها الرجم، قالوا: (صدق يا محمد، فيها آية الرجم) [2] ، وهذا دليل قاطع أنهم كانوا يعتقدون به ويعرفونه معرفة يقينية ثابتة.

(1) تفسير ابن كثير ط دار الكتب العلمية 3\ 102.

(2) صحيح البخاري (3635) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت