فهرس الكتاب
والعجيب يا إخوة -وهي لطيفة أراد الله بها أن يظهر كيفية تعاملهم مع الشرع-؛ العجيب أن إبن عباس -رضي الله عنهما- والذي إستدلوا به في قضية التشريع والإستبدال بل طاروا بأثره (كفر دون كفر) في الآفاق؛ هو ممّن يقولون بوجوب تغطية المرأة لوجهها، فروى عن إبن عباس في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) [1] : (أَمَرَ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا خَرَجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ فِي حَاجَةٍ أَنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِنَّ بِالْجَلَابِيبِ وَيُبْدِينَ عَيْنًا وَاحِدَةً) [2] ، فهم يأخذون ما يوافقهم من إبن عباس وفي موضع آخر يردون عليه، فهو قال بوجوب تغطية الوجه بل قال ما هو أشد من ذلك قال لا يظهر منها إلا عين واحدة.
فانظر لتناقضهم؛ فعندما خالفهم إبن عباس أعرضوا عن قوله واستدلّوا بحديث ضعيف، وإذا قيل لهم خالفتم كلام كلام ابن عباس وخالفتم كلام الصحابة وكلام الأئمة المشهورين في تلك المسألة وخالفتم ابن عباس الذين تجعلونه حجة في موضع آخر؛ يقولون لك: نحن نتبع الدليل وإن خالف ابن عباس.
نقول هذا جيد؛ ولكن لماذا لم تتبعوا الدليل في قضية الحاكمية والتشريع والإستبدال وفي أثر (كفر دون كفر) ؟ مع أن الدليل في أن التشريع والإستبدال كفر هو أقوى بكثير من الدليل الذي تمسكوا به في كشف الوجه والكفين بل هو ليس بدليل؛ فالدليل على المسألة الأولى هو من الكتاب والسنة والإجماع المنعقد، أما الدليل الذي تمسكوا به في مسألة كشف الوجه والكفينفهو حديث ضعيف.
فاتخذوا إبن عباس دليلًا وهاديًأ عندما وافقهم وردّوا إبن عباس وغيره من الصحابة والأئمة عندما خالفوهم.
(1) سورة الأحزاب\59.
(2) تفسير إبن كثير ط دار الكتب العلمية 6\ 425، وتفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر 19\ 181.