والثاني نظر غير مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا فظاهر أنها ملأى من المعارف والحكم مبثوث فيها من كل شئ خطير مما لا يقدر على تأدية شكر بعضه فإذا نظر إليها العاقل وجد كل نعمة فيها يجب شكرها فانتدب إلى ذلك حسب قدرته وتهيئته وصار ذلك القشر محشوا لبا بل صار القشر نفسه لبا لأن الجميع نعم طالبة للعبد أن ينالها فيشكر لله بها وعليها والبرهان مشتمل على النتيجة بالقوة أو بالفعل فلا دق ولا جل في هذه الوجوه إلا والعقل عاجز عن بلوغ أدنى ما فيه من الحكم والنعم ومن ههنا أخبر تعالى عن الدنيا بأنها جد وأنها حق كقوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وقوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا وقوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق إلى غير ذلك ولأجل هذا صارت أعمال أهل النظر معتبرة مثبتة حتى قيل فلهم أجر غير ممنون من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة فالدنيا من جهة النظر الأول مذمومة وليست بمذمومة من جهة النظر الثاني بل هي محمودة فذمها بإطلاق لا يستقيم كما أن مدحها بإطلاق لا يستقيم والأخذ