فهرس الكتاب

الصفحة 1478 من 1506

لها من الجهة الأولى مذموم يسمى أخذه رغبة في الدنيا وحبا في العاجلة وضده هو الزهد فيها وهو تركها من تلك الجهة ولا شك أن تركها من تلك الجهة مطلوب والأخذ لها من الجهة الثانية غير مذموم ولا يسمى أخذه رغبة فيها ولا الزهد فيها من هذه الجهة محمود بل يسمى سفها وكسلا وتبذيرا ومن هنا وجب الحجر على صاحب هذه الحالة شرعا ولأجله كان الصحابة طالبين لها مشتغلين بها عاملين فيها لأنها من هذه الجهة عون على شكر الله عليها وعلى اتخاذها مركبا للآخرة وهم كانوا أزهد الناس فيها وأورع الناس في كسبها

فربما سمع أخبارهم في طلبها من يتوهم أنهم طالبون لها من الجهة الأولى لجهله بهذا الاعتبار وحاش لله من ذلك إنما طلبوها من الجهة الثانية فصار طلبهم لها من جملة عباداتهم كما أنهم تركوا طلبها من الجهة الأولى فكان ذلك أيضا من جملة عباداتهم رضى الله عنهم وألحقنا بهم وحشرنا معهم ووفقنا لما وفقهم له بمنه وكرمه

فتأمل هذا الفصل فإن فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظر في الشريعة وفى أحوال أهلها وفيه رفع مغالط تعترض للسالكين لطريق الآخرة فيفهمون الزهد وترك الدنيا على غير وجهه كما يفهمون طلبها على غير وجهه فيمدحون ما لا يمدح شرعا ويذمون ما لا يذم شرعا وفيه أيضا من الفوائد فصل القضية بين المختلفين في مسألة الفقر والغنى وأن ليس الفقر أفضل من الغنى بإطلاق ولا الغنى أفضل بإطلاق بل الأمر في ذلك يتفصل فإن الغنى إذا أمال إلى إيثار العاجلة كان بالنسبة إلى صاحبه مذموما وكان الفقر أفضل منه وإن أمال إلى إيثار الآجلة فإنفاقه في وجهه والاستعانة به على التزود للمعاد فهو أفضل من الفقر والله الموفق بفضله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت